■ فى زحام مباريات كأس العالم، وبين مباراة وأخرى، حاولت اختلاس بعض الوقت لمتابعة فيلم «برشامة»، الذى لم يتسع الوقت لمشاهدته فى دور العرض، حتى أتيحت لى فرصة متابعته عبر إحدى المنصات، فاكتشفت أنه ليس فيلماً كوميدياً عابراً، بل مرآة مكسورة تعكس وجه مجتمع تحوّل الغش فيه إلى رياضة وطقس يومى معتاد، والنزاهة إلى عيب اجتماعى علينا التخلص منه بأى ثمن.
استطاع المخرج أن يحوّل قاعة امتحان ضيقة إلى نموذج لوطن مصغّر.. مراقب الامتحانات غائب كالضمير الميت، وأب يهرول لتعليم ابنه الغش، وعمدة يستخدم سلطته لشراء الضمائر. حتى المسجد، ذاك المكان المقدس، لم ينجُ من الجريمة شبه الجماعية بعد محاولة تحويله إلى مركز عمليات لتوزيع الغش، فالمهم هو النجاح مهما كانت الأساليب!
المفارقة القاتلة أننا نهرع لابتكار وسائل غش تتطلب عبقرية هندسية، بينما لو وظّفنا هذا الإبداع فى العلم لغيَّرنا وجه الأمة. لكن الأسهل هو الغش، فلماذا نتعلم وبإمكاننا أن نغش؟!
أكثر ما يؤلم فى الفيلم عدوانيته تجاه النزيه، فهو ليس بطلاً بين أقرانه، بل النموذج الشاذ المكروه الذى يفسد المتعة، كشخص يراه الحضور فى حفلة للعراة أنه الوحيد المُخطئ، لأنه يرتدى ثيابه، ويحاولون تمزيق ثوب النقاء الذى يستره، كى يخفوا صورهم القبيحة.
وفى مشهد عبثى، نفذه المؤلف والمخرج بكل عمدٍ وترصُّد، نرى أن المدرسة - محل الواقعة - تحمل اسم طه حسين وتتحول إلى ساحة حرب للخداع، وكأنهم أرادوا أن يؤكدوا أننا نصر على الانتقام من رموزنا عقاباً لهم على محاولاتهم لفضح جهلنا!
يهمس الفيلم بسخرية سوداء: لماذا تصرون على الغش؟ ثم تتفاجأون أن شهاداتكم لا توصل إلى وظيفة، كمن يسرق مفتاح خزينة فارغة!
«برشامة» فيلم يستحق المشاهدة ليس لإيفيهاته ونكاته، بل لجرأته على كشف المستور بروح كوميدية مُرَّة، كالضحك فى جنازة. يذكرنا أننا مجتمع يعيش امتحاناً أخلاقياً يومياً، لكننا نصر على الغش فيه، حتى يحين وقت لن يجد فيه أحد من يغش، لأن الجميع غشاشون.. فينهار كل شيء، ويبقى الضحك أكثر وجعاً من البكاء!
■ ■ آخر كلام
اللهم أدم علينا الفرحة، ولا توقظنا من هذا الحلم الجميل الذى نعيشه مع حسام حسن وكتيبة أبطال الفراعنة، الذين شرَّفونا فى بلاد العم سام.

السيسى الرقم الصعب فى قمة الدول السبع الكبرى
انطلاقة «القرية المنتجة»
ملعوب ترامب!





