وحى القلم

ابن البلد

صالح الصالحى
صالح الصالحى


ما فعله المنتخب المصرى فى مونديال ٢٠٢٦ لم يكن مجرد فوز فى مباراة لكرة القدم، بل كان لحظة وطنية أعادت إلى المصريين شعورًا افتقدوه طويلًا، شعورًا بالقدرة على تجاوز المستحيل، وكسر الحواجز التى ظلت لعقود تبدو عصية على الكسر.
  عندما نتأمل تاريخ الكرة المصرية، نجد أن أعظم إنجازاتها لم يأت صدفة، ولم يحمل توقيع الغرباء.. فى عام ١٩٩٠ حمل محمود الجوهرى حلم أمة كاملة إلى كأس العالم.. وفى أعوام ٢٠٠٦ و٢٠٠٨ و٢٠١٠ صنع حسن شحاتة ورفاقه ملحمة إفريقية ستظل خالدة فى الذاكرة.. واليوم يطل حسام حسن من المشهد نفسه، ليؤكد حقيقة تستحق أن نتوقف أمامها كثيرًا، حين نثق فى ابن البلد فإنه كثيرًا ما يكون على قدر الحلم.
لقد قاد حسام حسن المنتخب إلى كأس العالم، ثم قاده إلى ما هو أبعد من مجرد الوجود بين الكبار.. ففى يوم الاثنين الموافق ٢٢ يونيو ٢٠٢٦ كتب المنتخب صفحة جديدة فى تاريخه، محققًا أول فوز له فى نهائيات كأس العالم، ومقتربًا بإذن الله من التأهل إلى دور الـ ٣٢.. لم يكن انتصارًا عاديًا، بل كان إعلانًا واضحًا بأن الكرة المصرية لم تعد تبحث عن «التمثيل المشرف»، وإنما عن المنافسة والانتصار وصناعة التاريخ.
  وإذا كان البعض يسأل عن سر نجاح المدرب الوطنى، فإن الإجابة نجدها فى تلك الشرارة التى لا تُدرس فى الدورات التدريبية ولا تُشترى بالأموال.. إنها روح الانتماء فالمدرب الوطنى يعرف معنى أن يرتفع علم بلاده، ويعرف كيف يحول القميص الذى يرتديه اللاعب من مجرد زى رياضى إلى مسئولية وشرف ورسالة.. إنه يتحدث لغة اللاعبين، ويعرف تفاصيل شخصياتهم، ويزرع فيهم الإيمان قبل أن يشرح لهم الخطة.. وحين تمنحه الثقة والدعم والصبر، فإنه يمنحك أحيانًا ما هو أكبر من الفوز، يمنحك شخصية وهوية وثقافة انتصار.
  لعلنا ندرك أن هذا الإنجاز لم يولد على أرض مفروشة بالورد.. لقد جاء من رحم المعاناة، ومن قلب الضغوط والانتقادات والشكوك.. ولهذا كانت قيمته أكبر من مجرد نتيجة.. كان درسًا بليغًا فى أن الأمم والفرق لا تصل إلى القمة إلا بالصبر والإصرار والعزيمة، وأن الطريق إلى المجد لا يعرف المستسلمين. لكن الأهم من كل ذلك أن الرحلة لم تنته بعد.. فالفوز الأول ليس النهاية، بل بداية الطريق.. وطموح المصريين اليوم يجب ألا يتوقف عند إنجاز تاريخى، وإنما يمتد إلى أبعد نقطة يمكن أن يصل إليها هذا المنتخب، فخلف هؤلاء اللاعبين ملايين القلوب التى تنتظر الفرحة، وخلف هذا الفريق شعب يستحق أن يحلم، ويستحق أن يرى أبناءه يقاتلون من أجل رفع اسمه عاليًا بين الأمم.
  هذه هى حكاية «ابن البلد»، حين يؤمن بنفسه، ويخلص لوطنه، ويقاتل حتى النهاية، يصبح قادرًا على تحويل الحلم إلى حقيقة، والفرحة إلى تاريخ، والانتصار إلى قصة يرويها الوطن لأبنائه جيلًا بعد جيل.