آخر كلام

أحمد هاشم يكتب: أفاعي «الإخوان» «17»

أحمد هاشم
أحمد هاشم


◄ حسن البنا.. كبيرهم الذي علمهم القتل

◄ أسس الجناح العسكري بالجماعة.. وزرع عقيدة العنف والتنظيم السري داخلها

◄ المهندس الأول والمخطط الاستراتيجي والغطاء الشرعي والتنظيمي للنظام الخاص 

شهدت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية تحولات هيكلية كبرى بعد عام 2013 أدت إلى ظهور ما عُرف بـتيار العمل النوعى أو اللجان النوعية، وهو الجناح الذى تبنى الصدام المسلح مع الدولة بشكل مباشر، ومن أبرز القيادات الإخوانية التي تبنت استراتيجيات العنف محمد كمال مؤسس اللجان النوعية، ومحمد بديع المرشد العام الثامن للجماعة، ومحمود عزت القائم بأعمال المرشد العام بعد القبض على بديع، بالإضافة إلى محمد البلتاجي وصفوت حجازي، فهؤلاء قادوا عمليات إعادة الهيكلة نحو العمل المسلح ردًا على سقوط حكم الجماعة.

ولم يكن هذا جديدًا على التنظيم الإخوانى، لأنه منذ نشأته على يد المؤسس والمرشد الأول حسن البنا كان يضم قيادات للجناح المسلح بالجماعة «النظام الخاص» الذي أسسه البنا بنفسه.

يتفق معظم المؤرخين والباحثين فى تاريخ الحركات الإسلامية على أن حسن البنا يتحمل المسؤولية التاريخية والسياسية الكاملة عن تأسيس النظام الخاص، وزرع عقيدة العنف والتنظيم السرى داخل الجماعة، وإذا كان زمام السيطرة الميدانية أفلت من يده فى أواخر حياته لصالح عبدالرحمن السندى فإن البنا هو من شرعن وجود جناح مسلح موازٍ للدولة، وهو الأمر الذى أسس لمفهوم الحاكمية والصدام المسلح مع النظم السياسية، الذى استمرت آثاره لعقود طويلة لاحقة.

ويعتبر النظام الخاص أحد أكثر الأبعاد إثارة للجدل فى تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، ويمثل الجناح العسكرى والأمنى المغلق الذى ارتبط اسمه بأبرز عمليات الاغتيال والعنف السياسى فى مصر خلال الأربعينيات.

وتأسس النظام الخاص في أواخر الثلاثينيات (حوالى عام 1940)، وجاءت الفكرة فى سياق تصاعد التوتر السياسى فى مصر أثناء الاحتلال البريطاني وبدايات القضية الفلسطينية، وتشير الشهادات التاريخية لكبار قادة التنظيم − مثل محمود الصباغ فى كتابه «حقيقة التنظيم الخاص» وأحمد عادل كمال فى كتابه "النقط فوق الحروف" − إلى أن حسن البنا هو من أصدر القرار الاستراتيجى بتأسيس هذا الجناح، وكان الهدف المعلن والمعبأ به القواعد مقاومة الاحتلال البريطاني والجهاد فى فلسطين، أما الهدف التنظيمى الداخلى فكان حماية الدعوة، وبناء قوة ردع قادرة على دعم مشروع الجماعة للوصول إلى السلطة، وإقامة الدولة الإسلامية عندما تحين اللحظة المناسبة.

وأشرف البنا على وضع هيكل شديد السرية يعتمد على نظام الخلايا العنقودية (الأسرة تتكون من 4 إلى 5 أفراد فقط لا يعرفون بقية الخلايا)، وكانت البيعة في النظام الخاص مختلفة عن البيعة العامة للجماعة؛ حيث كانت تتم فى غرفة مظلمة على مصحف ومسدس، وتتضمن قسماً بالطاعة العمياء للمرشد ولرئيس التنظيم الذي كان عبدالرحمن السندى أبرز قادته تاريخيا.

ولم يكن حسن البنا قائدًا عسكريًا ميدانيًا بل كان يمثل المرجعية العليا والغطاء الشرعى والسياسى، وكانت القيادة التنفيذية المباشرة بيد عبدالرحمن السندى رئيس النظام الخاص، لكن السندى كان يرفع تقاريره مباشرة للبنا.

وشكل البنا لجنة عليا لإدارة النظام تُعرف بـالمجلس الاستشاري للنظام الخاص، وكان يضم عدداً محدوداً جداً من قيادات مكتب الإرشاد، لضمان فصل الجناح العسكري عن الجسد المدني والعلني للجماعة، حتى لا تتأثر شرعية الجماعة القانونية إذا انكشف التنظيم.

خلال فترة الأربعينيات انخرط النظام الخاص فى سلسلة من العمليات التي تجاوزت مجرد مقاومة الإنجليز إلى استهداف النخبة السياسية والقضائية المصرية، وتنقسم مسؤولية البنا عنها إلى مستويين، الأول عمليات جرت بعلم ومباركة حسن البنا، وهى العمليات التي استهدفت معسكرات الإنجليز، أو إرسال المتطوعين والسلاح إلى فلسطين عام 1948، وهذه العمليات كانت تحظى بدعم كامل وتوجيه مباشر منه كجزء من الرؤية الجهادية للجماعة آنذاك.

بينما تمثّل المستوى الثاني في عمليات الاغتيالات السياسية الكبرى، حيث شهدت الفترة بين عامى  1946 و1948 تحولًا حادًا في بوصلة النظام الخاص نحو العنف الداخلي، ومن أبرز هذه العمليات اغتيال القاضي أحمد الخازندار فى مارس 1948، بسبب إصداره أحكاماً ضد عناصر من الإخوان في قضايا تفجيرات، وتؤكد الروايات التاريخية ومن بينها شهادات لقيادات بالجماعة آنذاك أن عبدالرحمن السندى استغل عبارة عابرة من حسن البنا قال فيها ما معناه «ليت أحدًا يريحنا من الخازندار»، فاعتبرها التنظيم أمرًا بالقتل، لكن البنا غضب علنًا بعد العملية لصدورها دون إذن رسمى مكتوب، وفى نفس الوقت لم يعاقب السندي تنظيميًا.

وتضمنت العمليات الإرهابية تفجيرات حارة اليهود ومحلات شيكوريل عام 1948، حيث كانت الجماعة تستهدف مصالح يهودية في القاهرة، وجاءت فى سياق حرب فلسطين، كما كانت بعلم ورضا قيادة الجماعة.

كما قام التنظيم الإخوانى باغتيال رئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى فى ديسمبر 1948 رداً على قراره بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها.

وبعد اغتيال النقراشي وتفجير محكمة استئناف القاهرة فى محاولة لتدمير وثائق قضية "السيارة الجيب" التى كشفت أسرار النظام الخاص وجد حسن البنا نفسه فى مواجهة دولة مصممة على تحجيم الجماعة، وأدرك أن النظام الخاص بات يتحرك كوحش فاقد السيطرة وخارج عن طوع القيادة السياسية للجماعة، فقام بمحاولة لإنقاذ الجماعة والتبرؤ من العنف، فأصدر بيانه الشهير فى يناير 1949 بعنوان "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين" الذى أدان فيه العمليات الانتحارية والاغتيالات، واعتبر أن من قاموا بهذه الأفعال خرجوا عن نهج الجماعة وصحيح الدين.

لكن هذا البيان لم يشفع للبنا عند السلطة والأجهزة السرية للملك فاروق، ليتم اغتيال حسن البنا فى 12 فبراير 1949 رداً على مقتل النقراشى.

وتعتبر مذكرات وشهادات كبار قادة النظام الخاص الذين عايشوا التأسيس والمراحل الأولى أمثال محمود الصباغ وأحمد عادل كمال من أهم المصادر التاريخية التوثيقية؛ لأنها صدرت عن أفراد أقسموا يمين الطاعة داخل التنظيم، وشاركوا فى كواليسه، حيث تثبت شهادات محمود الصباغ وأحمد عادل كمال أن حسن البنا لم يكن مجرد زعيم روحي تفاجأ بوجود تنظيم مسلح داخل جماعته، بل كان المهندس الأول والمخطط الاستراتيجى والغطاء الشرعى والتنظيمى الذى لولاه لما قام للنظام الخاص قائمة، وذلك على الرغم من الأزمات التنظيمية التى عصفت بالعلاقة بينهما في أواخر حياته عام 1948.

ويُعد كتاب محمود الصباغ أحد أقوى الدفاعات التنظيمية عن النظام الخاص، ولكنه في الوقت نفسه يوثق بشكل قاطع أن حسن البنا هو المنشئ والموجه الأول والتنفيذى الأعلى لهذا النظام، كما ذكر الصباغ أن حسن البنا استشعر مبكراً مع نهاية الثلاثينيات وبداية الحرب العالمية الثانية أن الدعوة بحاجة إلى قوة تحميها وتواجه التحديات الاستعمارية والصهيونية فى فلسطين، ويؤكد أن القرار لم يكن فردياً من الشباب، بل كان بتكليف مباشر وأمر تنظيمى من المرشد العام.

كما كشف الصباغ في كتابه كيف وضع حسن البنا معايير دقيقة جداً لاختيار عناصر النظام الخاص، حيث لم يكن يقبل أي أخ بمجرد رغبته، بل كان البنا يشترط طاعة مطلقة، وقدرة عالية على الكتمان، وتحمل المشاق، والتميز الأخلاقى والدينى، وكان الترشيح يتم عبر تقارير سرية ترفع للبنا شخصياً للاعتماد.

وأوضح الصباغ أن البنا هو من صاغ الفلسفة الفقهية والشرعية للنظام الخاص؛ حيث أقنع الأعضاء بأن هذا العمل هو الجهاد المفروض ضد المحتل، وأن السرية والبيعة الخاصة هما أدوات شرعية لحماية هذا الجهاد، مما أعطى أفراد التنظيم دافعاً عقائديًا صلبًا للطاعة العمياء.

وقدم أحمد عادل كمال في كتابه شهادة تفصيلية وميدانية حول الهيكل الحركى للنظام، موضحا طبيعة العلاقة التنظيمية بين حسن البنا وقادة التنظيم الميدانيين مثل عبدالرحمن السندي، وكشف بكثير من التفصيل كيف هندس حسن البنا النظام ليكون منفصلاً تمامًا عن الهيكل العلنى للجماعة، وأوضح أن البنا أراد بناء تنظيم لا يعرف أعضاؤه بعضهم بعضاً إلا فى حدود ضيقة جداً "نظام الخلايا أوالخمسات"، وذلك لحماية جسد الجماعة العام إذا سقطت إحدى الخلايا فى أيدي الأمن.

كما وثق كمال فى كتابه طقوس البيعة الشهيرة فى الغرفة المظلمة، مشيرًا إلى أن هذه الصيغة وتلك الترتيبات نُفذت بمباركة وتصميم من حسن البنا، لتعميق هيبة القسم فى نفوس الأعضاء، حيث كان القسم يتضمن طاعة المرشد العام باعتباره القيادة العليا للدعوة وللنظام.

ويكشف كتاب "النقط فوق الحروف" ملمحا مهما؛ وهو أن حسن البنا كان يتدخل أحياناً لضبط إيقاع التنظيم عندما يميل نحو الغلو أو الاستعجال، لكنه فى الوقت ذاته منح عبدالرحمن السندي رئيس التنظيم صلاحيات واسعة جداً، لافتا إلى أن هذا الفصل بين القيادة السياسية "البنا" والقيادة العسكرية "السندى" خلق لاحقاً فجوة فى السيطرة، خاصة فى قضايا العنف الداخلى مثل اغتيال الخازندار والنقراشى.

واتفق الصباغ وكمال في مذكراتهما على أن النظام الخاص لم ينشأ كحركة تمرد داخلية أو مبادرة شبابية مستقلة، بل نبت كفكرة أصيلة في عقل حسن البنا، وتم تنفيذها بأوامره.

كما اتفقا على حرص البنا على ألا تتدخل الهيئة التأسيسية أو مكتب الإرشاد «القيادة المدنية العلنية» في شؤون النظام الخاص، وحصر اتخاذ القرار والاتصال به هو شخصيًا وعدد محدود جدًا من معاونيه، كم أظهر كلا الكتابين أن البنا هو من صاغ المنهج التربوى والعسكرى «رسالة الجهاد» التي تحول بموجبها عناصر النظام الخاص إلى أفراد مستعدين لتنفيذ أى أمر يصدر من القيادة دون مناقشة.