كتبت : دينا الأدغم
في تطور يعكس حجم الانقسام الذي أحدثته الحرب الأمريكية ضد إيران داخل أروقة الحكم في واشنطن، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قرار يستند إلى قانون صلاحيات الحرب، في خطوة وصفتها صحيفة الجارديان البريطانية بأنها تحدٍ مباشر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياسته العسكرية تجاه طهران.
ويأتي القرار في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة نقاشًا متصاعدًا حول حدود السلطة الرئاسية في إدارة الحروب، بعدما تحولت المواجهة مع إيران من عملية عسكرية محدودة إلى صراع إقليمي واسع النطاق فرض نفسه على المشهد السياسي الأمريكي وأعاد إلى الواجهة أسئلة دستورية ظلت محل جدل لعقود طويلة.
تصويت يكشف انقسامًا غير مسبوق
بحسب الجارديان، فإن التصويت الذي انتهى بموافقة 50 عضوًا مقابل 48 لم يكن مجرد إجراء تشريعي روتيني، بل حمل دلالات سياسية مهمة، أبرزها انضمام عدد من أعضاء الحزب الجمهوري إلى الديمقراطيين في معارضة استمرار العمليات العسكرية دون موافقة الكونجرس.
ويعكس هذا المشهد حالة من القلق المتزايد داخل المؤسسة السياسية الأمريكية بشأن تداعيات الحرب، سواء من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية أو من حيث انعكاساتها على مكانة الولايات المتحدة الدولية واستقرار منطقة الشرق الأوسط.
وترى الصحيفة أن أهمية التصويت لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، وإنما في كونه يعبر عن تحول تدريجي داخل واشنطن من مرحلة الالتفاف حول الرئيس خلال الأزمات إلى مرحلة مساءلة السلطة التنفيذية بشأن إدارة الصراع وأهدافه النهائية.
جذور الأزمة.. صراع عمره نصف قرن
لفهم أبعاد المواجهة الحالية بين الكونجرس والبيت الأبيض، لا بد من العودة إلى عام 1973 عندما أقر الكونجرس قانون صلاحيات الحرب عقب التجربة المريرة لحرب فيتنام.
جاء القانون آنذاك ردًا على توسع الإدارات الأمريكية المتعاقبة في استخدام القوة العسكرية دون رقابة تشريعية فعالة، حيث سعى المشرعون إلى إعادة التوازن بين سلطات الرئيس باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة وسلطات الكونجرس المخولة دستوريًا بإعلان الحرب.
ومنذ ذلك الوقت ظل القانون مصدر خلاف دائم بين الرؤساء الأمريكيين والكونجرس، إذ اعتبرته الإدارات المتعاقبة قيدًا على حرية التحرك العسكري للرئيس، بينما رأى فيه المشرعون ضمانة دستورية تحول دون الانزلاق إلى حروب طويلة دون موافقة ممثلي الشعب.
لماذا تثير الحرب مع إيران كل هذا الجدل؟
توضح الجارديان أن الحرب مع إيران تختلف عن العديد من العمليات العسكرية السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة، لأنها تحمل في طياتها مخاطر توسع إقليمي قد يجر قوى دولية وإقليمية أخرى إلى دائرة الصراع.
كما أن المواجهة جاءت في ظل ظروف اقتصادية عالمية معقدة، حيث انعكست التطورات العسكرية على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي زاد من حساسية الملف داخل الولايات المتحدة نفسها.
ومع استمرار العمليات العسكرية وتزايد الإنفاق الدفاعي، بدأت أصوات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي تتساءل عن الاستراتيجية الأمريكية طويلة المدى، وعن الكلفة التي يمكن أن تتحملها الولايات المتحدة إذا طال أمد الحرب أو اتسع نطاقها.
الجمهوريون بين الولاء والقلق
ربما يكون أبرز ما كشفه التصويت هو أن المعارضة لم تعد مقتصرة على الديمقراطيين.
فبحسب الجارديان، فإن عددًا من الجمهوريين الذين دعموا القرار عبّروا عن مخاوف متزايدة من منح السلطة التنفيذية صلاحيات مفتوحة في إدارة الحرب، معتبرين أن الكونجرس يجب أن يكون شريكًا أساسيًا في القرارات المصيرية المتعلقة باستخدام القوة العسكرية.
ويعكس هذا الموقف تحولًا مهمًا داخل الحزب الجمهوري، الذي ظل لعقود من أكثر المدافعين عن توسيع صلاحيات الرئيس في الملفات الأمنية والعسكرية.
البيت الأبيض يتمسك بموقفه
في المقابل، ترفض إدارة ترامب الاعتراف بأن القرار يمكن أن يقيد تحركات الرئيس العسكرية.
وتؤكد الإدارة أن الدستور يمنح الرئيس سلطات واسعة للدفاع عن المصالح الأمريكية وحماية القوات الأمريكية المنتشرة في الخارج، وأن التحركات العسكرية الحالية تدخل ضمن هذه الصلاحيات.
كما يجادل مؤيدو البيت الأبيض بأن طبيعة التهديدات الحديثة وسرعة تطور الأزمات الأمنية تفرض منح الرئيس مساحة أكبر للتحرك دون انتظار إجراءات تشريعية قد تستغرق وقتًا طويلًا.
ما الذي يعنيه القرار عمليًا؟
من الناحية القانونية، لا يُتوقع أن يؤدي القرار إلى وقف فوري للعمليات العسكرية، خاصة في ظل الخلاف المستمر حول مدى إلزامية قانون صلاحيات الحرب نفسه.
إلا أن أهميته السياسية تبدو أكبر بكثير من أثره التنفيذي المباشر، إذ يمثل مؤشرًا واضحًا على تراجع الإجماع السياسي الذي رافق بداية الحرب، كما يكشف عن اتساع الهوة بين البيت الأبيض والكونجرس بشأن إدارة الصراع.
وترى الجارديان أن الرسالة الأساسية التي بعث بها مجلس الشيوخ إلى الإدارة الأمريكية تتمثل في أن استمرار الحرب لم يعد يحظى بالدعم التلقائي الذي اعتادت عليه الإدارات الأمريكية خلال النزاعات الخارجية، وأن المؤسسة التشريعية تسعى لاستعادة دورها التاريخي في تقرير قضايا الحرب والسلم.
مستقبل المواجهة
مع استمرار الجدل الدستوري والسياسي، تبدو الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة جديدة من الصراع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية حول حدود استخدام القوة العسكرية.
فالحرب مع إيران لم تعد مجرد مواجهة خارجية، بل تحولت إلى اختبار داخلي لطبيعة النظام السياسي الأمريكي نفسه، ولمدى قدرة المؤسسات الدستورية على فرض التوازن بين مقتضيات الأمن القومي ومتطلبات الرقابة الديمقراطية.
وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى تصويت مجلس الشيوخ ليس باعتباره نهاية معركة، بل بداية فصل جديد من المواجهة السياسية داخل واشنطن حول من يملك القرار النهائي عندما تقرع طبول الحرب.

عطل فني يتسبب في شلل حركة القطارات في ألمانيا
الأمم المتحدة: بدء الترتيبات لإجلاء 11 ألف بحار عالقين في مضيق هرمز
عُمان تتيح ممرًا بحريًا مؤقتًا لعبور السفن في هرمز





