سرّ مسجد «أثر النبي».. الحكاية الكاملة لأقدام الرسول ﷺ في قلب القاهرة

مسجد «أثر النبي»
مسجد «أثر النبي»


في أحد أقدم أحياء القاهرة التاريخية، وعلى ضفاف النيل بمصر القديمة، يقف مسجد «أثر النبي» شاهداً على واحدة من أكثر الحكايات الروحانية والتاريخية إثارة في التراث الإسلامي المصري، فالمسجد الذي يحمل اسمه منذ قرون ارتبط بقطعة حجرية نادرة يُقال إنها تحمل أثر قدمي النبي محمد ﷺ، كما ارتبط برحلة طويلة من الآثار النبوية التي تنقلت بين القصور والمساجد والخزائن الملكية قبل أن تستقر معظمها في رحاب مسجد الإمام الحسين.

وبين التاريخ والأسطورة والعمارة الإسلامية، تبقى منطقة «أثر النبي» واحدة من الأماكن التي تحتفظ بسحر خاص يربط المصريين بذكريات النبوة وتراثها العريق.

 

- مسجد «أثر النبي» بمصر القديمة.. حكاية الأقدام الشريفة ورحلة الآثار النبوية عبر القرون

 

وسط الأزقة التاريخية لمنطقة مصر القديمة، وعلى مقربة من النيل، يقف مسجد «أثر النبي» كواحد من أبرز المزارات الإسلامية التي ارتبطت بذكرى الرسول محمد ﷺ في مصر.

 

ولا يعود تميز المسجد إلى عمارته التاريخية فقط، بل إلى احتضانه حجراً شهيراً يحمل أثراً يُنسب إلى قدمي الرسول الكريم، وهو ما جعله على مدار قرون مقصدًا للزائرين والباحثين عن البركة والتأمل في صفحات التاريخ الإسلامي.

 

وقد تغنى الشعراء بهذا المكان عبر العصور، فقال أحدهم:

«أكرم بآثار النبي محمدٍ

من زاره فقد استوفى السرور مزاره

يا عين دونك فانظري وتمتعي

إن لم تريه فهذه آثاره»

 

- كيف بدأت الحكاية؟

 

ترجع قصة الآثار النبوية المرتبطة بالمسجد إلى العصر المملوكي، وتحديداً عام 707 هـ الموافق 1307م، حينما اشترى الوزير المملوكي تاج الدين محمد بن الصاحب مجموعة من الآثار المنسوبة إلى النبي محمد ﷺ من بني إبراهيم في مدينة ينبع بالحجاز.

 

وذكرت المصادر التاريخية أن الصفقة كانت ضخمة للغاية في ذلك الوقت، إذ بلغت قيمتها نحو ستين ألف درهم فضة، وهو مبلغ هائل يعكس المكانة الروحية لهذه المقتنيات، وقد أشار الرحالة الشهير ابن بطوطة إلى هذه الرواية في كتاباته خلال رحلاته.

 

وضمت المجموعة آنذاك عدداً من المقتنيات التي نُسبت إلى الرسول الكريم، من بينها مكحلة، وقصعة طعام، وقطع أثرية أخرى، بالإضافة إلى مصحف قيل إنه بخط الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأشهرها قطعة تحمل أثر القدمين الشريفتين.

 

بناء المسجد لحفظ الآثار

بعد وصول هذه المقتنيات إلى مصر، قرر الوزير تاج الدين إنشاء مسجد خاص ليكون مقراً لحفظها وصيانتها، وليتحول إلى مزار ديني يقصده الناس.

 

لكن الوزير توفي قبل اكتمال المشروع، فتولى ابنه ناصر الدين محمد استكمال أعمال البناء، ليظهر إلى الوجود مسجد «أثر النبي» الذي ارتبط اسمه منذ ذلك الحين بالآثار النبوية.

 

وسرعان ما أصبح المسجد أحد أشهر المزارات الإسلامية في القاهرة، حيث كان الزوار يفدون إليه لمشاهدة الآثار النبوية والتبرك بها.

 

الحجر الذي منح المسجد اسمه

يبقى أشهر ما ارتبط بالمسجد هو الحجر المائل إلى اللون الأحمر الذي يحمل أثراً لقدمين يُنسبان إلى النبي محمد ﷺ.

 

وتذكر الباحثة الراحلة الدكتورة سعاد ماهر في كتابها «مساجد مصر» أن هذا الحجر أُدخل إلى المسجد الذي أنشأه السلطان الظاهر بيبرس في القرن الثالث عشر الميلادي، وأقيمت فوقه قبة خاصة.

 

ويقع الحجر داخل حجرة صغيرة أشبه بمقام أو قبة ضريحية، ويعلوه نقش رخامي باللغة التركية يشير إلى ظهور أثر القدمين على سطح الحجر.

 

ومنذ ذلك الوقت أصبح المسجد يُعرف شعبياً باسم «مسجد أثر النبي»، بل امتد الاسم ليشمل الشارع والمنطقة المحيطة به بالكامل.

 

تجديدات متعاقبة عبر العصور

شهد المسجد العديد من عمليات الترميم والتجديد عبر تاريخه الطويل.

 

ففي العصر العثماني، قام الوالي إبراهيم باشا الدفتردار بتجديد المسجد خلال القرن السابع عشر الميلادي، كما شهد المسجد عملية تطوير مهمة خلال عهد محمد علي باشا في أوائل القرن التاسع عشر.

 

وساهمت هذه الأعمال في الحفاظ على المبنى التاريخي رغم ما تعرض له من عوامل الزمن والتغيرات العمرانية التي شهدتها القاهرة عبر القرون.

 

- أين ذهبت الآثار النبوية؟

 

رغم أن مسجد أثر النبي كان في الأصل موطناً لمجموعة كبيرة من المقتنيات النبوية، فإن هذه الآثار لم تبقَ جميعها داخله.

 

فمع تزايد الاهتمام بالحفاظ عليها وتأمينها، بدأت رحلة طويلة لنقل هذه المقتنيات بين عدد من المواقع المهمة داخل مصر.

 

فقد انتقلت في فترات مختلفة إلى:

قبة الغوري.

مسجد السيدة زينب.

خزانة الأمتعة بقلعة صلاح الدين.

ديوان وزارة الأوقاف.

قصر عابدين.

 

وفي نهاية المطاف استقرت غالبية الآثار النبوية في غرفة خاصة بمسجد الإمام الحسين بالقاهرة، حيث تُحفظ حتى اليوم ضمن مقتنيات ذات قيمة تاريخية وروحانية كبيرة.

 

أما الحجر الذي يحمل أثر القدمين، فقد ظل في موضعه بمسجد أثر النبي، ليبقى الشاهد الأبرز على هذه الحكاية الممتدة عبر الزمن.

 

موقع أثري يطل على النيل

من السمات الفريدة للمسجد أنه يقع في منطقة تاريخية مطلة على النيل، وهو ما منحه أهمية إضافية على مر العصور.

 

فالمنطقة نفسها كانت جزءاً من النسيج العمراني العريق لمصر القديمة، وشهدت تداخل الحضارات المصرية والرومانية والإسلامية، مما جعلها واحدة من أغنى المناطق التراثية في القاهرة.

 

ويتميز المسجد بطابع معماري بسيط نسبياً مقارنة ببعض المساجد المملوكية الكبرى، إلا أن قيمته التاريخية والروحية جعلته يحتفظ بمكانة خاصة لدى المصريين.

 

- بين التاريخ والروحانية

 

يظل مسجد أثر النبي أكثر من مجرد مبنى أثري أو مزار ديني، فهو سجل حي لرحلة الآثار النبوية في مصر، وشاهد على اهتمام المصريين عبر العصور بالحفاظ على كل ما يرتبط بسيرة النبي الكريم.

 

ورغم انتقال معظم المقتنيات إلى مواقع أخرى، فإن المسجد ما زال يحتفظ بجاذبيته الخاصة، باعتباره المكان الذي ارتبط اسمه بواحدة من أشهر الروايات التاريخية حول الآثار النبوية في مصر.

 

وبين أروقته الهادئة وجدرانه العتيقة، يشعر الزائر أنه أمام صفحة مفتوحة من تاريخ القاهرة الإسلامية، حيث تتجاور الذاكرة الدينية مع التراث المعماري في مشهد يجسد عمق الحضارة المصرية وثراءها الروحي.