حديث الخرافة (1-2)

 إيهاب فتحي
إيهاب فتحي


عرف العرب الخرافة بأنها الحديث المستملح من الكذب أما أصل الكلمة حسب لسان العرب لابن منظور تعود إلى  أن رجلا من بنى عذرة اسمه خرافة اختطفه الجن، ثم عاد إلى أهله فحدثهم بما رأى فكذبوه، وأصبح كل من زاد فى الكذب وادعى فى أمر ما أطلق عليه العرب حديث خرافة أى شديد الكذب .

إذ كان السيد خرافة الذى عاد من بلاد الجن يروى أكاذيبه لنفسه أو لأصدقائه المقربين ومجتمعه يحكم على أحاديثه بعقلانية وأنه كاذب أو يتعامل معها كحواديت فهنا الأمر لا ضرر فيه .

تبدأ المشكلة عندما تتسلل هذه الخرافة إلى العقل الجمعى للمجتمع ذاته، وتسيطر عليه وتحوله إلى قطيع يسير بسعادة واقتناع وراء أوهام الخرافة حتى يسقط القطيع فى الهاوية. 

مروج الخرافة هنا قد يكون شخص أو فكرة مجنونة سيطرت على العديد من أفراد المجتمع.  

رغم أن الحقائق البديهية تبدو واضحة جلية أمام هؤلاء البشر المقتنعين بخرافة ما إلا أنهم يرون فى هذه الحقائق نظرية مؤامرة تريد أن تسلبهم نور اليقين الذى اكتشفوه مع هذا الشخص أو الفكرة.

مثلا يدرك البشر أن الرسالات السماوية اختتمها الله سبحانه وتعالى، وهذه حقيقة لا جدال فيها لكن فجأة تجد أحد المدعين يخرج على مجتمع ما ويدعى النبوة أو أنه المخلص.

كل المؤشرات تقول إن هذا الشخص مكانه الطبيعى مستشفى الأمراض العقلية أو السجن بتهمة النصب، لكن فجأة تجد مجموعة تؤمن به وتسير وراءه وقد تدفع حياتها ثمنًا للدفاع عنه وعن أفكاره المجنونة.

لايوجد هنا  فرق بين مجتمع متقدم أو متخلف أو دين وآخر فتاريخ البشرية يخبرنا أن ملايين من المجانين اتبعوا أنبياءهم المزيفين حتى وقعت الكارثة.

من المفترض أن هذا التاريخ يعطى حصانة للعقل البشرى حتى لا يقع فى هذا الفخ من جديد لكن الحقيقة عكس هذا ستجد فى كل فترة ظهور عدد من الأنبياء المزيفين والاتباع المصدقين.

تجدهم مرة يتبعون دينًا جديدًا أو نظرية عجيبة مثل تسطيح الأرض، أو يصدقون أن هذا الشخص يحول الجنيه إلى ملايين الجنيهات وهم جالسون فى بيوتهم لا يعملون.

أوهناك نظام غذائى قائم على توجيهات غامضة سيشفى الإنسان من كافة الأمراض وليذهب الطب الحديث إلى الجحيم.

أغرب ما فى هؤلاء التابعين أنهم لا يعترفون بالعقل والعلم و يرون فيهما مؤامرة كونية على قناعتهم الملتوية.

المضحك و المبكى فى نفس الوقت أنهم لا يرون أويعترفون بالحقيقة التى يوفرها العلم وتقاس بالعقل، هناك عشرات من الرحلات الفضائية التى رصدت كروية الأرض وقبلها الحسابات الفلكية المجردة، لكن كل هذا بالنسبة للمقتنعين بتسيطح الأرض يعتبر مؤامرة على فهمهم العميق.

بديهيات الاقتصاد تشير أن هناك منطقًا عقليًا وحسابات دقيقة وراء صناعة الثروة،  لكنهم يسلمون كل ما يملكون من ثروة إلى نصاب يسلبهم كل أموالهم ويرون فى المؤسسات الاقتصادية عائقًا أمام حلمهم الوهمى.

يعلمنا التاريخ الانسانى أن الصراع الأساسى الذى خاضه البشر طوال وجودهم على هذا الكوكب كان ضد الأمراض والأوبئة.

طوال آلاف السنين حصدت الأمراض والأوبئة أرواح ملايين البشر حتى استطاع العقل والعلم تحجيم هذه الوحوش التى تفترس الأرواح.

كانت هناك  أوبئة  مثل الطاعون، الكوليرا،الجدرى، تقضى  على مدن  بأكملها، وفى القرنين الأخيرين استطاع العقل الإنسانى وبالعلم إقامة حصن أمام هذه الأوبئة وإنقاذ الملايين، لكن أتباع الفكر الخرافى يريدون العودة إلى طب العصور الوسطى.

يريدون العودة إلى علاج الوباء بمسحوق الخل والثوم، أو وضع روث الحيوانات على الجروح، أو ينزعون ريش الدجاج و يضعون الدجاجة المسكينة على الجزء المصاب من جسد المريض معتقدين أن سبب المرض ينتقل إلى الدجاجة لكن المريض والدجاجة يصعدان إلى السماء.

كانت هناك طرق أخرى قديمًا أكثر جنونًا فى مواجهة الأمراض والأوبئة عندما تقتنع الأغلبية  بأن هناك أقلية دينية أو عرقية استغلها الشيطان لنشر المرض فيحرقونهم فى منازلهم حتى لا يجد الشيطان فرصة لنشر المرض.

فى حديث الخرافة لا يتعلق الأمر بمن يبث هذه الخرافة فهو إما مجنون، أو نصاب دجال يريد تحقيق مكاسب من وراء أكاذيبه، أو فى عصر السوشيال ميديا هو جاهل باحث عن شهرة وعدد لا نهائى من المشاهدات ،السؤال الأهم ما طبيعة المجتمع الذى وثق فى هذه الخرافات وسار وراءها مقتنعًا رافضًا الحقائق البديهية؟

يجب قبل الإجابة التفريق بين درجات وعى المجتمع فمثلا نجد المجتمع الأمريكى متأثرًا بنظريات المؤامرة خاصة فى مجال السياسة والظواهر غير الطبيعية، لكن عندما تحلل التأثير تجد أن المجتمع الأمريكى لم يتجه هذا الاتجاه من فراغ لأنه بالفعل توجد شبهات ترجح وجود حقيقة ما وراء هذه الخرافات، ولذلك تنشر الحكومة الأمريكية حاليًا العديد من الوثائق الرسمية حول الاغتيالات السياسية والظواهر غير المفسرة علميًا حتى تتم مناقشة الأمر بشكل علمى وعقلانى.

هناك مثل آخر يتعلق بالطب فالممثل الأمريكى الشهير ميل جيبسون خرج قبل شهور فى بودكاست على السوشيال ميديا ليعلن أن ثلاثة من أصدقائه كانوا فى مرحلة متقدمة من الإصابة بالسرطان تناولوا عقاقير تعالج الطفيليات فشفيوا تمامًا، بالتأكيد جيبسون ليس عالمًا ولا يفقه شيئًا فى الطب لكن ما قاله حقق رواجًا غير طبيعى على السوشيال خاصة عند مرضى السرطان .

رغم ادعاءات جيبسون إلا أننا نلاحظ أمرًا مختلفًا بخرافة المجتمع الأمريكى فجيبسون لم ينف قدرة العلاجات الأخرى على الشفاء من السرطان، وأيضا لم يخرج عن الإطار العقلانى العام، فلم يقل أن هناك وصفة سحرية أو نظامًا غذائيًا مكونًا من الباذنجان والكمون  يشفى من السرطان بل ما طرحه يتعلق بدواء من إنتاج مدرسة الطب الحديث.

رد المتخصصون على ادعاءات جيبسون بشكل علمى ولكنهم أشاروا فى نفس الوقت إلى وجود تجارب على حيوانات المختبر تتعلق بالأدوية التى ذكرها جيبسون، ولكن لم يثبت حتى الآن أن لها القدرة على الشفاء من السرطان، نجد هنا أن المجتمع الأمريكى لم يخرج عن الإطار العقلانى وسار وراء خرافات جيبسون متمسكًا بها ولم يرفض ملايين المرضى العلاجات الطبية  للسرطان مطالبين بأدوية جيبسون، لقد تم حصر الأمر فى "هوجة جيبسون" على السوشيال .

هناك حالة أخطر من " هوجة جيبسون " واجهت المجتمع الأمريكى مع التولى الثانى لترامب وكـ لعبة سياسية أتى بربورت كينيدى وزيرا للصحة وهو له تاريخ طويل فى إرضاء المجانين رافضى تلقى اللقاحات وازدادت شعبيته بعد وباء كوفيد لأن بالفعل شركات الأدوية الكبرى أرادت استغلال الوباء لتحقيق مكاسب بالمليارات، وأيضًا اعتمدت أساليب مستحدثة فى إنتاج لقاحات كوفيد أصبح يدور حولها شك .

تمادى الوزير كيندى فى خرافته وأعلن أن كل اللقاحات غير مهمة، وكان يقصد لقاحات ضد أمراض مثل السل،الحصبة، شلل الأطفال، الجدرى، وأن من حق المواطنين وأطفالهم رفض تلقى اللقاحات وبالمناسبة أغلب هذه اللقاحات أكتشفت فى الولايات المتحدة وعلى يد علماء أمريكان .

لم يكتف الوزير كيندى والمجانين الذين يتبعونه بالدعاية فوضعوا مشروعات قوانين فى عدد كبير من الولايات الأمريكية تطالب باختيارية تلقى اللقاحات أو منعها تمامًا، وهنا خرج المجتمع الأمريكى ليوقف الوزير المخرف وجماعته المسماة " لنجعل أمريكا صحية " عند حدهم .

قاد هذا التصدى المجتمعى جمعية طب الأطفال الأمريكية ومن ورائها منظمات علمية وقانونية وسياسية لوضع حد لهذا الجنون الذى يدمر صحة المجتمع، وقد تدفع أجيال من الأطفال حيواتهم ثمن هذه الخرافات فلم يتم الموافقة على أى من هذه المشاريع الجنونية ومن كافة التيارات السياسية ديمقراطيين وجمهوريين  بل تم اعتبار طرحها تهديد للأمن القومى الأمريكى .

تدخل هنا أيضا القانون بصرامة فلا يمكن لمجنون وأتباعه تدمير مجتمع بخرافاتهم، فتم العودة لحكم أصدرته المحكمة العليا الأمريكية فى العام 1905 عندما رفض عدد من المتشددين الدينيين هم وأطفالهم تلقى اللقاحات ضد مرض الجدرى هنا أجبر القانون الجميع على تلقى اللقاحات، لأن عدم تلقى اللقاح سيكون خطرًا على المجتمع ككل وليس الرافضين فقط.

بالتأكيد لن يخلو أى مجتمع كل فترة من ظهور الأنبياء المزيفين ومدعى العلاج الشامل الكامل بعيدا عن الطب الحديث والدجالين وأصحاب الأفكار المجنونة وسيجدون للأسف من يتبعهم، لكن الأهم كيف تتعامل الكتلة العاقلة من المجتمع مع هذا الجنون؟

إذا كنا رأينا تعامل المجتمع الأمريكى مع مروجى الخرافات فإن الحالة في المجتمع المصرى مع ظهور هذا "النظام الغذائى" الغريب تحتاج إلى تحليل من نوع آخر.

;