«مستنقع إيران» يطارد الرئيس الأمريكي.. الكونجرس في مواجهة ترامب

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


لطالما مثّلت إيران أحد أكثر الملفات تعقيدًا واختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة نفوذها العالمى، كما شكلت ساحة تكشف بوضوح حجم الانقسامات داخل واشنطن نفسها، وليس فقط طبيعة الصراع الممتد بين الولايات المتحدة وطهران. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا الجدل دخل مرحلة جديدة قد تكون حاسمة فى تحديد مسار السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة.

فعندما انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين فى مجلس النواب الأمريكى للتصويت لصالح قرار يهدف إلى تقييد قدرة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران دون موافقة الكونجرس، لم يكن الحدث مجرد خلاف سياسى عابر، بل حمل دلالات أعمق تتجاوز مسألة الصلاحيات الدستورية.

فهذا التحرك عكس تصاعد التساؤلات داخل الولايات المتحدة حول طبيعة الاستراتيجية الأمريكية تجاه طهران، وأهدافها النهائية، ومدى قدرتها على الاستمرار فى ظل التناقضات المتزايدة بين الخطاب العسكرى والرسائل الدبلوماسية، وجاء ذلك بالتزامن مع مراجعة أوسع لنهج واشنطن فى التعامل مع إيران، وسط حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل المواجهة بين الطرفين.

وقد سلطت مجلة "تايم" الأمريكية الضوء على دلالة هذا التحدى الحزبى النادر الذى واجهه البيت الأبيض، بعد تصويت النواب الجمهوريين الأربعة إلى جانب الديمقراطيين لتقييد صلاحيات ترامب العسكرية تجاه إيران، وفى الوقت ذاته طرحت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية فى تحليلها بعنوان "حتى لو توصلت أمريكا وإيران إلى اتفاق، فلا تتوقع أن يدوم"، تساؤلات جوهرية حول قدرة أى اختراق دبلوماسى محتمل على الصمود فى ظل غياب الثقة العميقة التى باتت تحكم العلاقة بين البلدين.

أما مجلة ذا نيشن الأمريكية فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك فى مقالها سياسة ترامب المتقلبة تجاه إيران، معــتبرة أن الإدارة الأمــريكية تبدو بصورة متزايدة وكأنها تتحرك دون استراتيجية واضحة أو رؤية طويلة الأمد، وهو ما يضعها أمام أزمة متنامية فى المصداقية، سواء داخليًا أو خارجيًا.

ولا تكمن أهمية تصويت مجلس النواب فى أنه سيؤدى بالضرورة إلى تغيير فورى فى السياسة الأمريكية تجاه إيران، وإنما فى أنه يكشف عن بداية تشكل مقاومة داخل المعسكر السياسى للرئيــس نفســـه، فمــن المعتاد أن تمنح قضايا السياسة الخارجية الرؤساء الأمريكيين مساحة أوسع للتحرك مقارنة بالملفات الداخلية، إذ تميل اعتبارات الأمن القومى إلى توحيد الصفوف الحزبية، خصوصًا فى أوقات الأزمات والتوترات العسكرية.

تصويت النواب 

لكن استعداد نواب جمهوريين لمعارضة رئيس جمهورى فى ملف شديد الحساسية مثل إيران يشير إلى أن القلق لم يعد قاصرًا على الديمقراطيين وحدهم، بل أصبح يمتد إلى دوائر داخل الحزب الجمهورى نفسه.

غير أن أهمية التصويت لا تتوقف عند الجوانب القانونية والإجرائية فقط؛ فهو يعكس حالة متزايدة من القلق بشأن ما إذا كانت الإدارة الأمريكية تمتلك بالفعل رؤية واضحة لما تسعى إلى تحقيقه من خلال سياسة الضغط على إيران.

ويرى مؤيدو الرئيس أن هذا النهج يمثل نوعًا من االغموض الاستراتيجىب الذى يهدف إلى إبقاء الخصوم فى حالة ارتباك دائم، وإجبارهم على إعادة حساباتهم. أما منتقدوه فيرون صورة مختلفة تمامًا، معتبرين أن السياسة الأمريكية أصبحت أقرب إلى ردود الأفعال منها إلى التخطيط الاستراتيجي، وأنها تنتقل من أزمة إلى أخرى دون إطار واضح أو رؤية مستقرة.

وهذا تحديدًا هو جوهر الانتقادات التى طرحتها مجلة "ذا نيشن"، إذ اعتبرت أن سياسة ترامب تجاه إيران باتت محكومة بالتناقضات؛ ففى أسبوع تتحدث واشنطن عن فرص التفاوض، وفى الأسبوع التالى تتبنى خطابًا أكثر تشددًا، وتتبع العمليات العسكرية دعوات للحوار، وتترافق دعوات التهدئة مع تحذيرات من التصعيد.

وقد يوفر هــذا الأســلوب بعـض المكاســـب التكتيكية قصيرة الأمد، لكنــه يحمل فى الوقت نفســه مخاطر كبيرة علــى مستوى المصداقية الاستراتيجــية. فالحلفــاء يصبحــون أقــل يقـــينًا بشأن نوايا واشنطن، والخصوم يجدون صعوبة فى التمييز بين المواقف التفاوضية والتوجهات الحقيقية للسياسة الأمريكية، بينما تتأثر الأسواق باحتمالات التحولات المفاجئة فى المواقف.

ومع مرور الوقت، قد يتحول عدم القدرة على التنبؤ من مصدر قوة إلى عامل يفاقم حالة عدم الاستقرار.

السؤال الأهم

لكن السؤال الذى طرحته مجلة "الإيكونوميست" يظل محوريًا: حتى لو نجح المفاوضون فى التوصل إلى اتفاق، إلى أى مدى سيكون هذا الاتفاق قابلًا للحياة والاستمرار؟

فالثقة بين البلدين تآكلت إلى حد يجعل أى اتفاق مستقبلى يواجه تحديات هائلة منذ اللحظة الأولى لتوقيعه، ووفقًا للمجلة البريطانية لا تزال القيادة الإيرانية تنظر بعين الشك إلى الالتزامات الأمريكية، بعد سنوات من العقوبات والتقلبات السياسية والانقلابات على الاتفاقات السابقة.

ويرى كثيرون فى طهران أن الوعود الأمريكية لا يمكن فصلها عن التجارب السابقة التى انتهت بانهيار التفاهمات مع تغير الإدارات أو تبدل الأولويات السياسية فى واشنطن.

ومن المنظور الإيرانى عززت التطورات الأخيرة القناعة بأن الضمانات الأمنية لا يمكن أن تعتمد على التعهدات الأمريكية وحدها، ولذلك قد تصبح طهران أكثر تمسكًا بما تعتبره عناصر أساسية فى استراتيجية الردع الخاصة بها، سواء تعلق الأمر ببرنامجها النووى أو قدراتها الصاروخية.

ولا يقتصر مأزق المصداقية على إيران وحدها، فالعالم بأسره يحاول فهم ما تمثله سياسة ترامب الخارجية فى ولايته الثانية؛ هل تسعى واشنطن إلى تغيير النظام الإيراني؟ أم إلى احتوائه؟ أم إلى ردعه؟ أم إلى الوصول إلى صيغة تعايش معه؟

الإجابة تبدو متغيرة باستمرار، تبعًا لتطورات الأزمات والضغوط السياسية، ووفقًا لتحليل حديث نشره موقع "فوكس" أصبحت المواجهة مع إيران أحد أبرز الملفات التى تثقل كاهل أجندة ترامب فى ولايته الثانية، إذ تستنزف اهتمام الإدارة الأمريكية وتبعدها عن أولوياتها الداخلية، كما تكشف عن انقسامات سياسية متزايدة داخل واشنطن.

لن يصمد

هل يمكن لاتفاق جديد أن يصمد فى ظل غياب الثقة العميقة بين الطرفين؟ وهل يستطيع الكونجرس والبيت الأبيض الحفاظ على جبهة موحدة بشأن إيران؟ وهل يمكن لواشنطن أن تجمع بين الضغوط العسكرية والمسار الدبلوماسى المستدام من دون أن يقوض أحدهما الآخر؟

هذه الأسئلة أصـبحـت اليـوم فى قلــب النقاش الأمريكى حول مستقبل العلاقة مع طهران، ولهذا فإن تصويت مجلس النواب لا يمثل مجرد محــاولة لتقــييد صــلاحيات الرئيـس، بل يشـكل مؤشرًا على تراجع الثقة فى الاستراتيجية الحالية للإدارة.

فالقضية لم تعد تتعلق بإيران وحدها، وإنما بطبيعة القيادة الأمريكية، وحدود السلطة التنفيذية، ومصداقية الالتزامات الأمريكية فى عالم يتسم بتزايد عدم اليقين والتحولات المتسارعة.

وقد لا يتوقف مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية فقط على ما يجرى فى طهران، بقدر ما سيتحدد بما يدور داخل واشنطن نفسها من صراع سياسى حول كيفية إدارة هذا الملف المعقد.

فالمواجهة الأهم قد لا تكون بين الولايات المتحدة وإيران فقط، بل بين رؤيتين متنافستين لكيفية استخدام القوة الأمريكية، وإدارة الأزمات، وصناعة السلام فى نظام دولى سريع التحول.

اقرأ  أيضا: الحرب الثلاثية «أمريكا - إسرائيل - إيران »إلى أين؟ توقعات خطيرة بعد اشتعال المناوشات