حقوق معلقة وصراع مستمر..

بين النفقة ووقف الخدمات| أمهات يبحثن عن النفقة.. وآباء يطالبون بالرؤية

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


لم تكن أمينة تملك رفاهية الانتظار، فكل صباح تنظر إلى طفليها، تخفى قلقها خلف ابتسامة باهتة، بينما تتراكم فوق كتفيها أعباء لا ترحم، منذ ثلاث سنوات، حيث حصلت على حكم قضائى يلزم طليقها بدفع نفقة تكفل لهما حياة كريمة، لكن ظل الحكم حبرا على ورق، يتآكل مع الوقت كما يتآكل صبرها، إذ فشلت فى تنفيذه رغم مساعيها المستمرة.

بين دموعها المتساقطة تردد أمينة أنها لم تطلب سوى حق أطفالها، لكنها تعيش كل يوم كأنها تستجديه، بين إيجارات متأخرة، وفواتير متراكمة، واحتياجات لا تنتظر. تجد نفسها فى معركة يومية لا تملك سوى الأمل فيها، وما يزيد من مأساتها رحلتها الشاقة فى البحث عن عنوان لطليقها، حيث تحاول جاهدة للوصول إليه لإلزامه بالسداد. 

تنفق من قوت يومها مبالغ إضافية كأتعاب للمحامين، أملا فى أن تهتدى إلى خيط يقودها إليه، غير أن محاولاتها تتكرر وتبوء بالفشل. 

فى ظل آلاف الحالات المتشابهة وجاء قرار وزير العدل رقم 896 للعام الحالى بوقف عدد من الخدمات الحكومية عن الممتنعين عن سداد النفقة، كمحاولة لإجبارهم على تنفيذ أحكام قضائية طال انتظارها، ومنها خدمات حيوية من بينها خدمات التموين، إلى جانب خدمات الكهرباء، فضلا عن عدة تراخيص ومزاولة لبعض النشاطات.

وأعاد القرار الأمل لبعض الأمهات، لكنه فتح فى الوقت ذاته بابا للنقاش خاصة مع استياء الكثير من الآباء، إذ رأوا فيه إجراء يتجاوز حدود العقوبة إلى تقييد سبل العمل والحياة اليومية، فوقف الخدمات فى نظرهم، لا يضغط فقط لتنفيذ الحكم، بل يفاقم من سوء أوضاعهم المادية. 

رحلة شاقة 

ولم تكن معاناة أمينة الوحيدة فى الحصول على النفقة، حيث تعيش نهى معاناة مختلفة، لكنها لا تقل صعوبة، فبين المحاكم وأقسام الشرطة تتحرك حاملة أوراقها فى رحلة طويلة تبدأ بحكم قضائى واضح، لكنها لا تنتهى بالحصول على النفقة. 

تقضى نهى يومها بين المحكمة التابعة لها، وبين قسم الشرطة، فى إشارة إلى دوامة من الإجراءات الطويلة دون نتائج واضحة، ومع كل خطوة، يمر الوقت أكثر، ويتأخر وصول حقها. 

ولم تتوقف الصعوبات عند هذا الحد، فهناك تأجيلات قانونية متكررة، وإجراءات تعاد أكثر من مرة، ناهيك عن ألاعيب المحامين كما تصف، وبين هذا وكله تجد نفسها فى رحلة مرهقة، تستهلك وقتها ومالها. 

ظروف صعبة 

ومن ناحية أخرى، يقول أحمد الوكيل (مطلق): يعد هذا القرار من القرارات التعسفية التى لم تراع الظروف المادية الصعبة التى يعانى منها الكثير من الآباء، فأنا لا أرفض حق أطفالى، لكننى فقدت عملى مؤخرا، ولم يعد لدىّ مصدر دخل ثابت أستطيع من خلاله الالتزام بالدفع، مشيرا إلى أنه فى بعض الأحيان تكون أحكام النفقات مبالغا فيها، ولا تتناسب مع دخل الأب، أو زواجه مرة أخرى.

ويرى الوكيل أن الكثير من الأمهات يلجأن لحيل قانونية كثيرة لزيادة مبلغ النفقة وإقرار مبالغ مادية كبيرة تزيد عن قدرة الأب المادية، منوها إلى أن القرار لم يراع الظروف المادية التى عصفت بالكثير من الآباء مؤخرا.

أما وائل رجب موظفب فيقول: يمتنع الكثير من الأمهات عن تطبيق قرار رؤية الآباء لأبنائهم رغم أن هناك مطالبات بربط نفقة الطفل بحق الأب فى رؤيته بشكل منتظم، بل واستضافته يومين فى منزله، إلا أنهن يلجأن لحيل قانونية لمنع تطبيق الرؤية منها الادعاء بمرض الطفل، أو تغيبها بدون عذر، وغيرها من الحيل، مما يزيد من تعقيد الوضع بين الطرفين. 

ويتساءل رجب: كيف لأب محروم من حقه فى رؤية أطفاله أن ينفق عليهم بشكل مستمر؟ والمؤسف أن يحرم أيضا من الخدمات الحكومية بدلا من مساندة الدولة له فى تربية أطفاله، وضمان متابعته لهم فى دراستهم، ووجوده فى حياتهم بشكل آدمى. 

تعطل الرزق 

أما محمد طه (سائق) فيقول: ينعكس القرار على قدرة بعض الآباء على العمل فهناك الكثير من الخدمات الموقوفة ترتبط بالعمل مباشرة، مثل استخراج الأوراق الرسمية أو تجديد الرخص، وهو ما قد يعطل مصدر الرزق الوحيد، لافتًا إلى أن هناك الكثير من الأمهات يرفضن محاولات الآباء لدفع النفقة بشكل ودى دون المحاكم، فهدفهن هو سجن الأب وتشويه سمعته بين أقرانه. 

ويضيف: عانيت كثيرا من محاولاتى المستمرة لدفع نفقة ابنتى بشكل ودى، أو عن طريق حوالات البريد، لكن طليقتى كانت ترفض بشكل قاطع مؤكدة أن هدفها هو إذلالى فقط، مما أثر على حالتى النفسية، وحالة ابنتى أيضا. 

مساندة التضامن

كانت د. مايا مرسى وزيرة التضامن الاجتماعى قد ثمّنت قرار وزير العدل المستشار محمود حلمى الشريف، والذى يحدد قواعد تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بتعليق استفادة المحكوم عليهم فى قضايا النفقة، أو قضايا اجتماعية مرتبطة ببنك ناصر الاجتماعى من الخدمات الممنوحة لهم. 

وأكدت مرسى أن وزارة التضامن الاجتماعى ملتزمة بتنفيذ القرار ووقف إصدار أو تجديد بطاقة الخدمات المتكاملة للأشخاص ذوى الإعاقة، بالإضافة إلى إلزام بنك ناصر الاجتماعى بإبلاغ الجهات المعنية بأسماء الصادر ضدهم أحكام فى قضايا النفقة ممن لم يقوموا بسداد المديونيات، وكذلك إخطار تلك الجهات بمن قاموا بتسوية التزاماتهم المالية تمهيدا لرفع وقف الخدمات عنهم. 

يشار إلى أن القرار نص على التزام الجهات الحكومية المختصة بوقف تقديم بعض الخدمات لهؤلاء الأشخاص، فور علمها بصدور الحكم القضائى، خاصة إذا تقدم المحكوم عليه بطلب للحصول على خدمة مرتبطة بممارسة نشاطه المهنى. 

حماية وصيانة 

ومن ناحية أخرى يقول محمد جاب الله المحامى بالنقض: جاء قرار وزير العدل بوقف الخدمات الحكومية عن المحكوم عليهم فى قضايا النفقة انتصارا للزوجة والأبناء، حيث يقضى بحماية حقهم فى النفقة الزوجية والنفقات الشرعية الأخرى من أجر حضانة، ومسكن وغيرها، كما يجبر الممتنع عن السداد بضرورة دفعها للاستفادة من كافة الخدمات. 

ويضيف جاب الله: بالطبع كانت هناك محاولات كثيرة من الآباء فى المراوغة فى دفع النفقات، مما يجعلها تستمر فى المحاكم لسنوات عدة دون الفصل فيها، كذلك صعوبة تنفيذها ما بين أقسام الشرطة وساحات المحاكم، مشيرا إلى أن هذا القرار يلزم المتهربين حقا من تسديد النفقات المفروضة عليهم. 

ويرى جاب الله أن القرار يخدم السيدات والأبناء الذين لا يستطيعون الحصول على نفقاتهم من الأب الذى يعمل بالخارج، حيث سيمنعهم من الحصول على بعض الخدمات القنصلية، أو تجديد جواز السفر، فضلا عن الخدمات الحكومية الأخرى حتى تسوية المديونيات المستحقة عليهم.

كيفية التطبيق

وحول آلية تطبيق وقف الخدمات تقول إيمان محسن المحامية بمحكمة الأسرة: هناك آلية قانونية لا بد من اتباعها لتطبيق وقف الخدمات الحكومية أولها وجود حكم نهائى لمتجمد النفقة لمدة شهر على الأقل، وبمحض هذا الحكم يتم عمل إعلان بالصيغة التنفيذية لحكم الحبس، ثم يتم عمل إنذار بالسداد بموجب المادة 293 من قانون العقوبات والمعدلة بالقانون رقم 6 لسنة 2020.

وتضيف إيمان: فى حال عدم سداد المتجمد بعد 3 أشهر بعد إنذاره بالسداد، يتم عمل جنحة مباشرة للنيابة العامة لتحديد جلسة للجنحة، وفى حال عدم دفع حكم النفقة يتم صدور حكم بالحبس ضد الخصم. مشيرة إلى أنه بعد صدور الحكم النهائى فى حال عدم التصالح أو الإبراء يتم وقف الخدمات الحكومية بشكل تلقائى. 

وتتابع: تشمل جميع النفقات والأجور والمصروفات الدراسية، لكنها لا تشمل العدة والمتعة والمؤخر، كما أنه فى حال الحصول على حكم بالحبس فى متجمد النفقة يتم عمل أمر وقتى بمنع السفر وتفعيله فى إدارة الجوازات والهجرة للاستفادة من قرار وزارة العدل.

وسيلة ضغط

أما أحمد هلال (مستشار قانونى) فيقول: جاء هذا القرار ليثير الكثير من التساؤلات القانونية بشأن مدى تناسبه مع طبيعة النزاع، فالنفقة حكم مدنى يخضع لآليات تنفيذ محددة فى حين أن ربطها بوقف الخدمات قد يحولها من وسيلة تنفيذ إلى وسيلة ضغط مباشرة، وهذا ربما ينعكس على قدرة المحكوم عليه فى العمل والكسب. 

ويضيف: وفى بعض الحالات تكون مرتبطة بتغيرات حقيقية فى القدرة المالية للزوج من فقدانه لعمله، أو خفض راتبه الشهرى وهو ما يستلزم التحقق من اليسار أو الإعسار قبل اتخاذ أى إجراءات.

فيما ترى داليا السنهورى عضوة المركز القومى للمرأة فرع القاهرة أن سن القوانين أو تعديلها يكون بناء على ما تجرى عليه المتغيرات بالمجتمع، ونتيجة لهذه المتغيرات كان لا بد من ردع هذه النماذج وإسقاط حقوقها على المجتمع. موضحة أن إسقاط الخدمات الحكومية عن الأشخاص الذين وُقِعت عليهم أحكام قضائية قانونًا معمول به فعلًا، أما تحديد الأشخاص المحكوم عليهم فى قضايا الامتناع عن سداد النفقة دون غيرهم حاليا فهو يعتبر أمرا ملزما لهذه الفئة وينذر بكم المشكلات الاجتماعية والأسرية المتفاقمة جراء الامتناع عن سداد النفقة.

وأكدت أن القرار منصف للمرأة والأبناء الذين طالما عانوا جراء انفصال الوالدين، ويضمن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم الأسرة، ويحافظ على استقرار الأسرة بعد الانفصال ويضمن حصول الزوجة والأبناء على حقوقهم.

اقرأ  أيضا: أزهري: النفقة واجب شرعي.. والتشريعات لا تفرض الرحمة أو الأخلاق