غذاء صحي وتوفير للدولار.. «الحبة الكاملة» ترسم ملامح الرغيف المثالي

رغيف الحبة الكاملة
رغيف الحبة الكاملة


على موائد المصريين اليومية يستقر رغيف الخبز كأحد أكثر الأطعمة حضورًا وتأثيرًا، لكنه أصبح اليوم محور نقاش يتجاوز الغذاء إلى ملفات الصحة والأمن الغذائى والاقتصاد الوطنى، فمع تزايد معدلات الأمراض المرتبطة بسوء التغذية واستمرار الضغوط التى يفرضها استيراد القمح تتجه أنظار خبراء وأكاديميين إلى الحبة الكاملة باعتبارها خيارًا قد يجمع بين تحسين جودة الغذاء وتعظيم الاستفادة من القمح.

بين دعوات لتصحيح الثقافة الغذائية وأبحاث تؤكد القيمة الصحية والاقتصادية الحبة الكاملة يفتح هذا الملف تساؤلًا حول مستقبل رغيف الخبز فى مصر، وإمكانية الانتقال من الدقيق الأبيض إلى نموذج غذائى أكثر توازنًا واستدامة. 

تصحيح مسار الغذاء

الدكتور رضا عبدالسلام أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بكلية الحقوق جامعة المنصورة عضو مجلس النواب يؤكد أن مصر تواجه تحديًا متزايدًا يتعلق بنمط الغذاء السائد، نتيجة الاعتماد المتنامى على الأطعمة المصنعة والدقيق الأبيض، وهو ما انعكس على ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، موضحًا أن أمراض القولون والجهاز الهضمي، إلى جانب الضغط والسكرى والقلب والعظام، أصبحت ترتبط بصورة وثيقة بجودة الغذاء، لذا بدأ كثيرون مراجعة عاداتهم الغذائية فى ظل هذه التداعيات الصحية.

ويشير عبدالسلام إلى أن عمليات فصل الردة وجنين القمح أثناء تصنيع الدقيق الأبيض أفقدت الخبز جزءًا مهمًا من قيمته الغذائية، رغم تفضيل المستهلكين للونه الأبيض وشكله الجذاب، مؤكدًا أن الحبة الكاملة تحتفظ بعناصرها الغذائية الطبيعية بصورة متوازنة.

ويوضح أن القضية لا تتعلق بالصحة فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية استراتيجية، فى ظل كون مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح، بما يشكل ضغطًا متزايدًا على الموازنة العامة واحتياجات العملة الصعبة، مؤكدًا أن التوسع فى استخدام الحبة الكاملة يرفع كفاءة الاستفادة من القمح ويحد من الفاقد الناتج عن عمليات الفصل والاستخراج، بما يسهم فى تقليل الضغوط على الدولار وتحسين ميزان المدفوعات.

فيما يرى الدكتور علاء وفا أستاذ الباطنة والغدد الصماء والسكر والميتابوليزم وكيل كلية الطب بجامعة المنصورة للدراسات العليا والبحوث أن الخبز الأبيض يؤثر سلبًا على صحة الجهاز الهضمى، ويرتبط بزيادة معدلات الإمساك واضطرابات الهضم والانتفاخ، نتيجة فقدانه نسبة كبيرة من الألياف والعناصر الغذائية المهمة أثناء عملية صناعة الدقيق منزوع الردة وجنين القمح، كما أن الخبز الأبيض يتميز بارتفاع المؤشر الجلايسيمي، ما يؤدى إلى ارتفاع سريع فى مستويات السكر بالدم يعقبه انخفاض مفاجئ، الأمر الذى يرفع احتمالات الإصابة بالسكرى من النوع الثانى وأمراض القلب على المدى الطويل.

ويضيف وفا أن افتقار الخبز الأبيض للألياف والبروتين يقلل الإحساس بالشبع، مما يدفع إلى تناول كميات أكبر من الطعام ويزيد معدلات السمنة، مشددًا على أن تصحيح المفاهيم الغذائية لم يعد رفاهية، بل ضرورة صحية ومجتمعية تستند إلى العلم والمعرفة الدقيقة.

ويشير إلى أن الحبوب الكاملة توفر تركيبة غذائية متكاملة تضم النخالة الغنية بالألياف، والجنين المحتوى على الفيتامينات والدهون الصحية، إضافة إلى السويداء التى تمد الجسم بالطاقة والبروتينات، مؤكداً أن تناولها يسهم فى تحسين صحة القلب وتنظيم مستويات السكر والكوليسترول وتقليل الالتهابات المزمنة.

منظومة متكاملة

من جانبه يقول الدكتور متولى محمد أبو سريع وكيل كلية الزراعة بجامعة المنصورة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة أستاذ كيمياء وتكنولوجيا الألبان إن الرسالات السماوية جميعها أرست قاعدة واضحة فى التعامل مع الغذاء، تقوم على إباحة الطيب والنافع للإنسان، لافتًا إلى أن الأديان لم تنظر إلى الطعام باعتباره مجرد وسيلة للشبع، بل كجزء من منظومة متكاملة للحفاظ على صحة الإنسان الجسدية والنفسية، وهو ما أثبتته الدراسات والأبحاث الحديثة فى علوم التغذية، موضحًا أن ربط بعض الأمراض بأطعمة بعينها بصورة مطلقة يعد تعميمًا غير دقيق علميًا، فبعض المشكلات الصحية يرتبط بقدرة الجسم على التعامل مع مكونات غذائية معينة وليس بالغذاء ذاته.

واستشهد بـالتلبينة كنموذج غذائى يجمع بين اللبن والعسل والحبوب الكاملة، لافتًا إلى أن النبى محمدا صلى الله عليه وسلم أوصى بها لما لها من أثر فى تهدئة النفــس وتقوية الجسم وتخفيف الحزن. 

وأوضح أن الأبحاث العلمية الحديثة أثبتت أهمية الشعير والحبوب الكاملة فى خفض الكوليسترول وتنظيم السكر وتحسين الحالة المزاجية؛ لاحتوائها على ألياف ابيتا جلوكانب، فضلًا عن دورها فى تعزيز الشعور بالشبع والمساعدة فى إنقاص الوزن، مؤكدًا أن التوعية الغذائية القائمة على أسس علمية تمثل ضرورة لمواجهة الشائعات والمفاهيم الخاطئة المرتبطة بالغذاء والصحة.

الأمن الغذائى

فيما يقول الدكتور مأمون أحمد عبدالمنعم المصيلحى، رئيس قسم المحاصيل الزراعية فى كلية الزراعة بجامعة المنصورة، أن القمح المصرى يتمتع بقيمة غذائية مرتفعة، إذ تصل نسبة البروتين فى بعض الأصناف المحلية لنحو 13%، موضحًا أن جودة القمح لا تعتمد على نسبة البروتين فقط، بل على نوعية الجلوتين التى تمنح العجين التماسك والمرونة اللازمة لصناعة الخبز.

ويضيف أن الحبة الكاملة تحتفظ بالألياف والمعادن والفيتامينات الطبيعية، بينما يؤدى إنتاج الدقيق الأبيض إلى فقدان جزء كبير من هذه العناصر نتيجة إزالة النخالة وجنين القمح.

ويشير إلى أن برامج البحث العلمى المصرية نجحت فى استنباط أصناف حديثة مثل: اسخا 95ب واجيزة 171ب واسدس 14ب وامصر 3ب وامصر 4ا، موضحاً أن الأبحاث الحديثة لم تعد تركز فقط على زيادة عدد السنابل أو إنتاجية الفدان، بل أصبحت تستهدف تحسين جودة الحبوب ورفع قيمتها الغذائية وزيادة قدرتها على تحمل الجفاف ونقص المياه وارتفاع درجات الحرارة، فضلاً عن تطوير أصناف مبكرة النضج وأكثر مقاومة للأمراض ما يساهم فى زيادة دخل المزارعين وتقليل الفجوة الاستيرادية، بما يدعم الأمن الغذائى المصرى فى ظل التحديات العالمية الحالية، مشددًا على أن القمح يمثل قضية أمن قومى وغذائى وصحى، وأن دعم البحث العلمى والتوسع فى الأصناف الحديثة يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

القيمة الغذائية

فيما يؤكد الدكتور شادى محمد الشهاوى أستاذ الصناعات الغذائية فى كلية الزراعة بجامعة المنصورة، أن القيمة الغذائية لدقيق القمح ترتبط بصورة مباشرة بنسبة الاستخلاص وطرق الطحن المستخدمة، فالدقيق الأبيض منخفض الاستخلاص (72%) يعتمد أساسًا على الإندوسبرم النشوي، ما يمنحه خصائص خبيزية جيدة لكنه يفقد جانبًا كبيرًا من الألياف والفيتامينات والمعادن.

ويشير إلى أن دقيق الحبة الكاملة يحتفظ بجميع مكونات الحبة، مما يجعله الأعلى قيمة غذائية، ويرتبط علميًا بانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسمنة والسكرى وتحسين صحة الجهاز الهضمى، مؤكدًا أن بعض الحالات المرضية مثل حساسية القمح أو مرض السيلياك تمثل حالات فردية لا تنتقص من القيمة الغذائية العامة للقمح، مشددًا على أهمية تحقيق توازن بين الحفاظ على القيمة الغذائية وتحسين الخصائص التكنولوجية للمنتجات الغذائية.

خط إنتاج

ويؤكد المهندس أحمد العيسوى رئيس مجلس إدارة مطاحن شمال القاهرة أن الشركة بدأت بالفعل تشغيل خط إنتاج متخصص لإنتاج دقيق الحبة الكاملة، ضمن التوسع فى تقديم منتجات غذائية ذات قيمة صحية أعلى، لافتًا إلى أنه تم طرح كميات من الدقيق المتكامل فى الأسواق خلال الفترة الماضية، مع متابعة جودة المنتج ومطابقته للمواصفات القياسية، مشيرًا إلى أن عددًا من الأفران بدأ بالفعل استخدام دقيق الحبة الكاملة فى إنتاج الخبز.

اقرأ  أيضا: أفضل أنواع الخبز لصحة أفضل