إســـلام عفيفى يكتب: الواقعية المصرية والأمر الواقع

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحى وفقط، ولا ملفًا بحريًّا يمكن تركه للقوى الكبرى أو الأساطيل الأجنبية أو غرف العمليات لتديره عن بعد، لذلك فإن أى اضطراب فيه لا يبقى فى حدود البحر، بل يضرب التجارة، والطاقة، والموانئ، وسلاسل الإمداد، واستقرار الإقليم وليس فقط الدول المطلة عليه ، نحن أمام ممر يختزل جزءًا كبيرًا من معادلة الأمن العالمي: قناة السويس من الشمال، باب المندب من الجنوب، الخليج والطاقة من الشرق، والقرن الإفريقى من الغرب، ومن هنا يجب أن تكون القاعدة واضحة: أمن البحر الأحمر مسئولية دوله أولًا، لا مسئولية من يأتون إليه عند الأزمة ثم يغادرون عند أول صفقة.

هذه هى الرسالة التى تتحرك بها مصر فى محيطها الإفريقى والعربي، زيارة الرئيس الأوغندى، وقبلها زيارة الرئيس الإريترى أسياس أفورقى إلى القاهرة فى أسبوع واحد، لا يجب قراءتهما كزيارات بروتوكولية منفصلة، هما جزء من خريطة أوسع تتحرك فيها القاهرة بعين واحدة على النيل، وعين أخرى على البحر الأحمر، وبإدراك أن أمن مصر لم يعد يبدأ فقط من حدودها المباشرة، بل من دوائر متداخلة: حوض النيل، القرن الإفريقي، البحر الأحمر، الخليج، وقناة السويس.

مصر فى هذه التحركات لا تقول إنها تريد محاصرة أحد، ولا تبحث عن صدام مع أحد، لكنها تقول شيئًا أكثر وضوحًا: لا يمكن بناء استقرار فى إفريقيا أو البحر الأحمر بمنطق فرض الأمر الواقع، العلاقات بين الدول يجب أن تقوم على احترام القانون الدولي، وحسن الجوار، وحسن النوايا، والمنافع المُتبادلة، هذه ليست عبارات دبلوماسية ناعمة؛ هى شروط عملية لمنع المنطقة من الانزلاق إلى صراعات حدود وموانئ ومياه ونفوذ، هذه هى محددات الرؤية المصرية فى إدارة علاقاتها بل وخلافاتها.

وما يحدث مع إثيوبيا نموذج ، رفضت فيه مصر لغة التهديد وأكد الرئيس السيسى بوضوح فى غير مرة أن موقفنا من التنمية أنها حق مشروع، لكن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى ضغط على سيادة دولة أخرى، أو إلى محاولة لإعادة ترتيب الجغرافيا بالقوة أو بالأمر الواقع، بعد استقلال إريتريا أصبحت إثيوبيا دولة غير مطلة على البحر، وهذا واقع جغرافى وقانونى وسيادى لا يمكن تجاوزه بلغة الرغبة أو الاحتياج، الوصول إلى البحر يمكن أن يكون بالتعاون والاتفاق والمصالح المُتبادلة، لا بالخطابات الخشنة ولا بتوليد القلق لدى الدول المشاطئة.

ومن هنا تبدو أهمية الزيارة الأوغندية والإريترية فى هذا التوقيت، أوغندا ليست دولة على البحر الأحمر، لكنها جزء من معادلة شرق إفريقيا وحوض النيل، ولها وزن فى التفاعلات الإفريقية، عندما تتحرك مصر مع أوغندا، وإريتريا، ومع دول القرن الإفريقى وحوض النيل، فهى لا تتحرك بعقلية الأزمة المؤقتة، بل بعقلية بناء شبكة علاقات استراتيجية ومستدامة، فالسياسة المصرية الجديدة التى يرسيها الرئيس فى إفريقيا تقوم على أن الحضور لا يُستدعى وقت الخطر فقط، بل يُبنى قبل الخطر: علاقات، مشروعات، تنسيق، تدريب، تفاهم، وحوار دائم.

هذه نقطة محورية، مصر لا تريد أن تظهر فى إفريقيا كدولة تأتى فقط عند أزمة السد الإثيوبى أو عند توتر فى البحر الأحمر، تريد أن تؤكد أنها شريك طبيعى فى التنمية والاستقرار، تريد أن تقول إن القاهرة لا ترى إفريقيا ساحة صراع مع طرف آخر، بل عمقًا يجب التعاون معه، لذلك فإن خطاب مصر عن حسن الجوار والمنافع المُتبادلة ليس غطاءً سياسيًا، بل محاولة لإعادة بناء علاقة أوسع مع القارة على أساس المصالح لا الحساسية، وعلى أساس القانون لا الاستفزاز.

أما البحر الأحمر، فهو اختبار عملى لهذه الرؤية، هذا البحر لا يمكن أن يُدار بعقلية القوى الخارجية وحدها، القوى الكبرى تنظر إليه غالبًا كممر للتجارة والطاقة والمنافسة العسكرية، لكنها لا تعيش على شواطئه، ولا تدفع شعوبه ثمن اضطرابه بنفس القدر الذى تدفعه الدول المطلة عليه عندما تتوتر الملاحة، تتأثر قناة السويس، عندما يشتعل باب المندب، يتأثر الخليج واليمن ومصر والسودان وإريتريا وجيبوتى والسعودية، وعندما يتحول القرن الإفريقى إلى ساحة قواعد وصراعات، يصبح البحر كله قابلًا للاشتعال.

لذلك فإن أى ترتيبات أمنية حقيقية يجب أن تبدأ من الدول المشاطئة «مصر، السعودية، السودان، إريتريا، جيبوتي، اليمن، الأردن» ومعهم الامتداد الإفريقى المتصل بالبحر، هم أصحاب المصلحة الأولى، لا يعنى ذلك إقصاء العالم أو إنكار أهمية التجارة الدولية، لكنه يعنى أن العالم يجب أن يأتى عبر بوابة احترام مصالح دول البحر الأحمر، لا عبر تجاوزها، فالأمن الذى يُفرض من الخارج قد يهدئ أزمة مؤقتة، لكنه لا يبنى استقرارًا دائمًا إذا تجاهل أصحاب الجغرافيا.

وهنا تظهر أهمية الربط بين مصر وإريتريا وأوغندا، إريتريا بوابة مباشرة على البحر الأحمر وفاعل شديد الحساسية فى القرن الإفريقي، أوغندا جزء من عمق النيل وشرق إفريقيا، ومصر هى الدولة التى تملك قناة السويس وتربط البحر الأحمر بالمتوسط والعالم، هذا المثلث لا يعنى تحالفًا ضد أحد، لكنه يعكس فهمًا مصريًا بأن الأمن لا يتجزأ، من يقرأ البحر الأحمر دون النيل يخطئ، ومن يقرأ القرن الإفريقى دون الخليج يخطئ، ومن يقرأ قناة السويس دون باب المندب يخطئ، كلها دوائر متصلة، وأى خلل فى إحداها ينتقل إلى الأخرى.

التحدى الإثيوبى فى هذه المعادلة ليس أن إثيوبيا تريد التنمية أو المنفذ البحري، بل إن بعض الخطاب الإثيوبى أحيانًا يتعامل مع الاحتياج وكأنه حق فوق سيادة الآخرين، هذه نقطة خطرة، الدول لا تُدار بالاحتياجات وحدها، بل بالقانون والاتفاقات، فإذا احتاجت دولة إلى ممر، تفاوضت، وإذا احتاجت إلى ميناء، عقدت اتفاقات، وإذا أرادت تعاونًا، قدمت ضمانات، أما تحويل الاحتياج إلى ضغط جيوسياسي، فهو طريق يفتح الباب لصراعات لا يحتاجها القرن الإفريقى ولا البحر الأحمر ولا إفريقيا كلها.

مصر هنا تقدم بديلًا واضحًا: تعالوا إلى التعاون لا الإكراه، إلى المصالح المُتبادلة لا فرض الإرادة، إلى القانون الدولى لا القوة، إلى حسن النوايا لا الشك المُتبادل، هذه ليست مثالية زائدة، بل واقعية شديدة، لأن المنطقة إذا دخلت فى سباق كسر إرادات، فلن ينتصر أحد كاملًا؛ ستخسر التنمية، وتخسر التجارة، وتخسر الثقة، وتفتح الأبواب لقوى خارجية ستستثمر فى الخلاف بدل أن تحله.

التحركات المصرية الأخيرة تقول إن القاهرة عادت تقرأ إفريقيا والبحر الأحمر كخريطة واحدة، لا تريد حربًا مع أحد، ولا تسعى لعزل أحد، لكنها ترفض أن يُدار جوارها بمنطق المفاجآت، مصر تمد يدها للتعاون، لكنها تتمسك بالقانون، تدعم التنمية، لكنها ترفض الإضرار، تقبل المصالح، لكنها ترفض فرض الأمر الواقع، وهذه هى المعادلة التى يحتاجها البحر الأحمر اليوم.

البحر الأحمر ليس ممرًا دوليًا فقط، بل ذاكرة وجغرافيا وأمن قومى للدول المطلة عليه، ومن يظن أنه يمكن إعادة ترتيبه من خارج إرادة هذه الدول يخطئ قراءة التاريخ والجغرافيا معًا، أما مصر برسائلها إلى أوغندا وإريتريا ودول إفريقيا، فتقول بوضوح: نريد إفريقيا مستقرة، وبحرًا أحمر آمنًا، وعلاقات قائمة على القانون وحسن الجوار، فالأمن هنا لا يتم استيراده من الخارج، بل يُبنى بين أصحاب الجغرافيا والساحل.