لا يكاد يمر يوم إلا ويخرج علينا من يعلن نهاية الصحافة الورقية، وكأنها أصبحت صفحة من الماضى أو ذكرى من زمن لن يعود. ويستند هؤلاء إلى أرقام التوزيع، وإلى الطفرة الرقمية، وإلى تغير أنماط القراءة، ليصلوا إلى نتيجة حاسمة مفادها أن زمن الجريدة المطبوعة قد انتهى.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذه الأحكام السريعة، وأكثر عمقًا من مجرد مقارنة بين شاشة وهاتف من جهة، وورقة وحبر من جهة أخرى.
فالصحافة الورقية ليست مجرد منتج يباع فى منافذ التوزيع، بل هى مؤسسة لصناعة الوعي، ووعاء للذاكرة الوطنية، وسجل موثق للأحداث، ومدرسة خرجت أجيالًا من كبار الكتاب والمفكرين والمثقفين. ولم يكن تأثيرها يومًا مرتبطًا بعدد النسخ المطبوعة فقط، وإنما بما تصنعه من رأى عام وما ترسخه من قيم وما تقدمه من محتوى موثوق.
إن انخفاض التوزيع، لأسباب اقتصادية متعلقة بالصناعة نفسها ليس دليلًا على اندثار الصحافة، بل هو انعكاس لتحولات عالمية فى وسائل تلقى المعلومات. والعالم كله شهد تغيرًا فى سلوك الجمهور مع انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، ولم يكن ذلك حكرًا على مصر أو على العالم العربي.
لكن السؤال الحقيقى ليس: هل انتهت الصحافة الورقية؟ بل: هل انتهت الحاجة إلى الصحافة المهنية؟
والإجابة الواضحة هي: لا.
بل ربما أصبحت الحاجة إليها أكبر من أى وقت مضى، فى عصر أصبحت فيه الشائعة تسبق الحقيقة، والمعلومة المضللة تنتشر أسرع من الخبر الصحيح، وتحولت فيه المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة يختلط فيها الرأى بالخبر، والتحليل بالدعاية، والحقائق بالشائعات.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية للصحيفة ليست فى الورق الذى تُطبع عليه، وإنما فى المهنية التى تكتب بها، وفى المصداقية التى بنتها عبر سنوات طويلة، فالمؤسسات الصحفية التى تمتلك كوادر بشرية قادرة على التدقيق والتحليل والتحقق قبل النشر.
كما أن المستقبل لا يفرض معادلة “إما ورقى أو رقمي”، بل يفرض التكامل بينهما. فالصحيفة التى تنجح اليوم هى التى تحافظ على هويتها التحريرية وتستثمر فى الوقت نفسه فى المنصات الرقمية، والفيديو، والبودكاست، والذكاء الاصطناعي، والتحليلات التفاعلية، مع الحفاظ على جوهر رسالتها الصحفية.
أما الحديث عن اختفاء الصحافة الورقية بالكامل، فهو حديث تكرر منذ عقود مع ظهور الإذاعة، ثم التلفزيون، ثم الإنترنت، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك بقيت الصحافة تتغير وتتطور وتعيد اكتشاف نفسها فى كل مرحلة.
فالورق لا يعيش بالحبر وحده، بل يعيش بالفكرة، وبالعقل الذى يكتبها، وبالثقة التى يمنحها القارئ لصاحبها ولهذا فإن الرهان الحقيقى ليس على بقاء الورق أو اختفائه، وإنما على بقاء الصحافة نفسها باعتبارها رسالة ومسئولية وقيمة حضارية. وما دامت المجتمعات تحتاج إلى الحقيقة، وما دام الإنسان يبحث عن مصدر موثوق وسط ضجيج المعلومات، فإن الصحافة ستبقى، وستجد دائمًا طريقًا جديدًا للوصول إلى قارئها، سواء حملها بين يديه على صفحات مطبوعة، أو قرأها على شاشة مضيئة.
فالصحافة الحقيقية لا تموت… لأنها ببساطة ليست ورقًا بل ضمير أمة.

مجدى حجازى يكتب: «رائعة».. د. نجوى كامل
محمود بسيونى يكتب: القاهرة عاصمة «النفس الطويل»
حين تتكلم الحقائق (3)






