«بذور من المنفى».. حكاية الباشا الذي أهدى المصريين المانجو

 أحمد باشا المنشاوي
أحمد باشا المنشاوي


تقرير: ماجدة شلبي

 

في زمن كانت فيه الألقاب تُمنح لأصحاب النفوذ والسلطة كان هناك رجل منحته الناس لقبًا أكبر من كل الألقاب لقب لم يصدر بمرسوم ملكي ولم تمنحه قصور الحكم بل خرج من أفواه البسطاء والفقراء والعمال الذين لمسوا الخير بيديه فأطلقوا عليه: «أبو الخيرين».

إنه أحمد باشا المنشاوي واحد من أعظم أعيان محافظة الغربية ورجل تحولت سيرته إلى أسطورة إنسانية لا تزال تعيش بين شوارع طنطا وحقول الغربية حتى اليوم بعدما صنع من اليتم مجدًا ومن التراب إمبراطورية زراعية ومن الثروة رسالة رحمة للفقراء والمحتاجين.

 

◄ نشأة أحمد باشا المنشاوي

 

ولد أحمد باشا المنشاوي في قرية «المنشأة» التابعة لمركز السنطة بمحافظة الغربية وسط واحدة من أعرق العائلات المصرية لكنه لم يعش طفولة مترفة كما يتخيل البعض فقد توفي والداه وهو لا يزال صغيرًا تاركين له ولإخوته ثروة محدودة تقدر بنحو مائتي فدان فقط في زمن كانت الأرض فيه عنوان الحياة والقوة.

كبر الطفل اليتيم سريعًا وتولى شقيقه الأكبر محمد بك المنشاوي تربيته وتعليمه فعلمه القراءة والكتابة باللغتين العربية والتركية لكنه قبل كل شيء علمه كيف تُدار الأرض وكيف تتحول الزراعة إلى صناعة حياة.

ومنذ سنوات شبابه الأولى ظهرت على أحمد المنشاوي ملامح العبقرية والطموح ففي سن الثامنة عشرة التحق بالعمل في «الدائرة السنية» وهي المزارع والأراضي التابعة للأسرة الحاكمة آنذاك وهناك بدأ رحلته الحقيقية مع الزراعة الحديثة.

 

◄ رحلة صعود استثنائية

 

لم يكن مجرد موظف عادي بل كان شابًا يراقب كل شيء بعين مختلفة يتابع طرق الري ويدرس طبيعة التربة ويتأمل كيف تتحول الأرض البور إلى جنات خضراء ومع مرور السنوات أصبح اسمه معروفًا بين كبار ملاك الأراضي بسبب قدرته المدهشة على استصلاح الأراضي وزيادة إنتاجها.

ويقال إن إسماعيل باشا المفتش العام للحكومة المصرية وقتها انبهر بذكائه وقدرته الفريدة على إدارة الأراضي الزراعية فدعمه ومنحه ثقة كبيرة لتبدأ بعدها رحلة صعود استثنائية لرجل خرج من قلب الريف ليصبح واحدًا من أكبر ملاك الأراضي في مصر.

لكن ما جعل أحمد باشا المنشاوي مختلفًا عن غيره من الباشوات أنه لم يكن عاشقًا للثروة بقدر عشقه لفكرة البناء والتنمية كان يرى الأرض كائنًا حيًا يحتاج لمن يفهمه ويعتني به لذلك نجح في استصلاح عشرات الآلاف من الأفدنة حتى قيل إنه تمكن من تعمير نحو 30 ألف فدان بالغربية ومحيطها.

وكان المنشاوي سابقًا لعصره في كل شيء تقريبًا فقد أدخل نظم ري حديثة واستخدم طرقًا متطورة في تطعيم الأشجار بل يُنسب إليه إدخال أنواع زراعية جديدة إلى مصر مثل الجوز واللوز والعنب اليوناني الأحمر والأشهر بينها جميعًا: المانجو.

 

◄ علاقة الزعيم عرابي بالمانجو

 

قصة دخول المانجو إلى مصر ليست مجرد حكاية زراعية بل فصل إنساني وتاريخي شديد الدهشة بطلها أحمد باشا المنشاوي وصديقه الزعيم أحمد عرابي. فبعد فشل الثورة العرابية ونفي الزعيم أحمد عرابي إلى جزيرة سيلان المعروفة اليوم بسريلانكا انبهر هناك بطعم فاكهة لم يكن المصريون يعرفونها وقتها: المانجو.

 

اقرأ ايضا| أحمد باشا المنشاوي.. صاحب الأيادي البيضاء في خدمة المحرومين

 

كان عرابي يتذوقها ويتذكر مصر ويتخيل كيف يمكن لهذه الفاكهة الاستوائية أن تنجح في الأراضي المصرية فقرر إرسال بذورها وشتلاتها إلى صديقه المقرب أحمد باشا المنشاوي.

استقبل المنشاوي الشتلات القادمة من الهند بعين المزارع الخبير وزرعها في حدائق القرشية التابعة له بالسنطة واعتنى بها بنفسه حتى نجحت التجربة بصورة مذهلة.

ومع الوقت تحولت حدائق المنشاوي إلى واحدة من أشهر حدائق المانجو في مصر كلها وخرج منها صنف شهير عُرف باسم «الهندي المنشاوي» أو «الهندي السنارة» وهو من أجود أنواع المانجو المصرية حتى اليوم.

 

◄ الباشوات في حدائق المانجو

 

ويؤكد أحفاد العائلة أن حدائق المانجو الخاصة بالمنشاوي كانت مقصدًا للباشوات وكبار رجال الدولة في العصر الملكي وأن ثمارها كانت تُباع بأسعار مرتفعة بسبب جودتها الاستثنائية ورائحتها العطرية المميزة.

لكن رغم الثروة الهائلة التي امتلكها أحمد باشا المنشاوي والتي قُدرت وقتها بنحو مليوني جنيه ذهبي أي ما يوازي مليارات الجنيهات حاليًا فإنه لم يتحول إلى باشا متعالٍ يعيش خلف الأسوار بل كان أقرب إلى رجل دولة يحمل مسؤولية اجتماعية تجاه الناس.

لذلك لم يكن غريبًا أن يوقف نحو ألف فدان من أجود أراضيه الزراعية للإنفاق على الفقراء وأعمال الخير والتعليم والعلاج. وكان يؤمن أن الثروة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان بل فيما يتركه للناس بعد رحيله.

ومن أبرز إنجازاته الإنسانية إنشاء مستشفى المنشاوي العام بمدينة طنطا والذي لا يزال حتى اليوم واحدًا من أهم الصروح الطبية بمحافظة الغربية.

 

◄ وقف مالي ضخم للفقراء

 

لم يكتفِ ببناء المستشفى فقط بل خصص له وقفًا ماليًا ضخمًا لضمان استمراره في تقديم العلاج للفقراء مجانًا في زمن لم تكن فيه الدولة توفر رعاية صحية واسعة كما يحدث اليوم. كما شيد مسجد المنشاوي الشهير بطنطا ومسجد المنشاوي بالسنطة والذان تحولا إلى أبرز المعالم الإسلامية بالمحافظة بما يحمله من طراز معماري مميز وروح تاريخية لا تزال حاضرة حتى الآن.

ولأن الفقر في ذلك الزمن كان قاسيًا أسس المنشاوي باشا عددًا كبيرًا من «التكايا» التي كانت تقدم الطعام والشراب والمأوى للفقراء وعابري السبيل طوال العام. كانت هذه التكايا أشبه بمؤسسات رحمة مفتوحة لا تغلق أبوابها أمام جائع أو محتاج حتى صار اسمه مرتبطًا في وجدان الناس بالخير والكرم والستر.

ولم تتوقف إنسانيته عند الصدقات فقط بل ابتكر نظامًا اجتماعيًا متقدمًا سبق عصره بعشرات السنين. فإذا توفي أحد العمال أو الفلاحين العاملين لديه كان يأمر بتعيين الابن الأكبر مكان والده بنفس الراتب والدرجة الوظيفية حتى لا تسقط الأسرة في الفقر بعد وفاة عائلها.

 

◄ صندوق للقرض الحسن

 

بل كان يسقط أيضًا كل ديون العامل المتوفى وكأنه يعلن أن الموت يجب ألا يتحول إلى حكم بالإعدام على أسر الفقراء. وفي زمن انتشرت فيه مكاتب الإقراض الأجنبية التي كانت تستغل الفلاحين بالربا والفوائد القاسية أنشأ المنشاوي باشا صندوقًا للقرض الحسن يمنح المحتاجين المال دون فوائد لينقذ مئات الأسر من السجن وضياع الأراضي.

سياسيًا، لم يكن المنشاوي مجرد مالك أراضٍ كبير بل لعب دورًا مهمًا في الحياة النيابية المصرية حيث كان من مؤسسي أول مجلس نيابي في مصر وممثلًا بارزًا لمحافظة الغربية. وعُرف داخل المجلس بدفاعه الشرس عن حقوق الفلاحين ومطالبته المستمرة بتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية لذلك اعتبره أبناء الغربية صوتهم الحقيقي داخل دوائر الحكم.

لكن أكثر المواقف الإنسانية تأثيرًا في حياته كان موقفه خلال أحداث عام 1882 وقت الفتنة التي شهدتها طنطا ضد الأجانب بالتزامن مع الثورة العرابية. في ذلك الوقت كانت حالة الغضب الشعبي ضد الاحتلال الأجنبي كبيرة ووقعت أعمال عنف ومطاردات للأجانب في بعض المناطق.

 ورغم صداقته لأحمد عرابي ودعمه الوطني المعروف رفض المنشاوي باشا فكرة الانتقام من المدنيين الأبرياء. وقال مقولته الشهيرة التي تناقلها الناس: «هؤلاء ضيوف لا ذنب لهم»، فتح قصوره ومزارعه لاستقبال مئات الأجانب الهاربين من أعمال العنف ثم وفر لهم الحماية والطعام والإقامة قبل أن ينقلهم على نفقته الخاصة عبر قطارات إلى بورسعيد تمهيدًا لسفرهم إلى أوروبا.

 

◄ أحمد باشا المنشاوي لازال حيًا!

 

هذا الموقف الإنساني النادر جعل اسمه يتردد خارج مصر حتى إن الجمعيات الإيطالية كرّمته رسميًا عندما سافر إلى إيطاليا لاحقًا تقديرًا لما فعله من إنقاذ للرعايا الأجانب. ورغم مرور أكثر من قرن على رحيل أحمد باشا المنشاوي فإن آثاره لا تزال حاضرة بقوة. فمستشفاه ما زال يستقبل المرضى ومساجده لا تزال عامرًة بالمصلين وحدائق المانجو التي زرعها تحولت إلى جزء من تاريخ الزراعة المصرية.

بل إن كثيرين في الغربية يعتبرونه رمزًا لعصر كانت فيه الثروة مرتبطة بالمسؤولية وكان الباشا الحقيقي هو من يطعم الناس ويبني المستشفيات ويحمي الفقراء، وربما لهذا السبب لم ينسه التاريخ. ففي كل موسم مانجو تعود حكاية المنشاوي من جديد حكاية الرجل الذي استقبل بذورًا صغيرة جاءت من المنفى فحوّلها إلى ثمار تعشقها مصر كلها.

وفي كل مرة يمر فيها مريض عبر أبواب مستشفى المنشاوي أو يصلي شخص داخل مسجد من مساجده أو يأكل فقير من صدقة خرجت من وقفه يبقى أحمد باشا المنشاوي حيًا رغم رحيله.