محكمة أسيوط تحتفل بمئويتها| قرن من العدالة فى مبنى لم تهزمه الأيام.. أنشئ فى عهد الخديوى

جانب من الاحتفالية.. وفى الإطار صورة مبنى المحكمة التاريخى
جانب من الاحتفالية.. وفى الإطار صورة مبنى المحكمة التاريخى


على ضفاف النيل فى قلب منطقة شهدت تحولات سياسية وعمرانية لا حصر لها، يقف مبنى محكمة أسيوط شامخاً كأنه يتحدى الزمن، أكثر من مائة عام مرت على تشييده، تغير خلالها شكل المدينة، وتبدلت أسماء الشوارع والميادين، وتعاقبت أجيال من القضاة والمحامين والمتقاضين، بينما ظل المبنى محتفظاً بهيبته المعمارية وملامحه الأصلية التى لم تنجح السنوات فى محوها.

فى أجواء احتفالية تعكس عراقة المؤسسة القضائية، شهدت محكمة أسيوط اليوم احتفالاً بمرور أكثر من قرن على عملها كمحكمة، ويقع المبنى التاريخى فى ميدان الحرب والسلام، أحد أشهر ميادين مدينة أسيوط، عند المدخل المؤدى إلى قناطر الإبراهيمية، وفى نقطة تتوسط الطريق الزراعى الرابط بين أسيوط والقاهرة، ومن يقف أمامه اليوم يصعب عليه أن يتخيل أن هذا البناء العريق كان شاهداً على أحداث سبقت الحرب العالمية الأولى، وأن جدرانه شهدت أكثر من قرن من تاريخ العدالة فى صعيد مصر.

حضر الاحتفالية المستشار عاصم الغايش رئيس محكمة النقض ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، المستشار محمد عبد العال النائب الأول لرئيس محكمة النقض، المستشار فواز إبراهيم رئيس محكمة استئناف القاهرة وعضو المجلس الأعلى للقضاء، المستشار أحمد رفعت أمين عام المجلس الأعلى للقضاء، المستشار عابد راشد النائب الثانى لرئيس محكمة النقض، وكان فى استقبالهم اللواء محمد علوان محافظ أسيوط، المستشار يحيى البنا رئيس محكمة استئناف أسيوط والمستشار ريمون سمير رئيس المكتب الفنى للاستئناف، وعدد كبير من رجال الهيئات القضائية.

لم يكن الثبات من نصيب المبنى وحده، بل أصبح جزءاً من ذاكرة المكان. فالشارع الذى يطل عليه حمل أسماء عديدة عبر العقود بدأ بطريق إبراهيم باشا، ثم الخديوى عباس حلمى، ثم السلطان حسين كامل، قبل أن يستقر على اسم شارع الجمهورية، كما تبدلت أسماء الميادين المحيطة به مرات عدة، واختفت معالم وظهرت أخرى، لكن المحكمة بقيت كما هى، تراقب المشهد من موقعها نفسه.

ويعود تاريخ إنشاء المبنى إلى عام 1899، حين بدأت أعمال التشييد التى استغرقت نحو عام كامل، حيث بدأ المبنى كمحكمة شرعية، ثم محاكم مختلطة وحاليًا المئوية للمحاكم الاستئناف ليصبح واحدًاً من أقدم المبانى القضائية التى لا تزال تؤدى دورها حتى اليوم، ومنذ ذلك الوقت تعاقبت داخله آلاف القضايا والأحكام والجلسات التى شكلت جزءاً من تاريخ المحافظة الاجتماعى والقانونى.

ويتميز المبنى بطراز معمارى إنجليزى نادر، يعتمد على الطوب الأحمر الحرارى والحجر الصوان، وهى مواد منحت البناء قوة استثنائية وقدرة على مقاومة عوامل الزمن وتظهر براعة المهندسين والبنائين الذين أشرفوا على إنشائه فى دقة التفاصيل المعمارية وتناسق الواجهات، حتى أصبح المبنى نموذجاً للعمارة المؤسسية فى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

ورغم مرور أكثر من مائة عام، لم يفقد المبنى رونقه، بل حافظت الدولة على قيمته التراثية من خلال أعمال الصيانة الدورية واستخدام مواد خاصة لحماية الواجهات التاريخية، ليظل محتفظًا بملامحه الأصلية التى جعلته أحد أجمل المبانى التراثية فى محافظة أسيوط. وفى مواجهة هذا التاريخ العريق، ارتفع خلفه مبنى حديث يمثل وجهًا جديدًا لمنظومة العدالة.