ياسر عبد العزيز يكتب: كله تمام .. و«عال العال» بانتظار «كتيبة حسام»

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز


على بركة الله؛ تبدأ الحكاية من جديد، وكأن التاريخ يعيد ترتيب أوراقه على مهلٍ، ليضع منتخب مصر لكرة القدم على أعتاب مواجهةٍ لا تشبه إلا نفسها، حين يلتقى يوم الاثنين المقبل بلجيكا فى مستهل مشواره ضمن مجموعته المونديالية، محمولًا على أكتاف دعوات شعبٍ كامل، لا يطلب المستحيل، بقدر ما يترقب لحظة صدقٍ تُشبه الفرح حين يتأخر ثم يأتى دفعة واحدة.

الأجواء التى تسبق الخطوة الأولى تبدو كأنها كتبت بحبر التفاؤل..كل شيء حول الفراعنة يوحى بأن المشهد قد أُعد بعناية، وكأن القدر نفسه أراد أن يمنح هذا الجيل فرصة الدخول إلى الامتحان من أوسع أبوابه.. إعدادٌ جاء على مقاس فكرةٍ رسمها حسام حسن، الذى دخل التجربة محمّلًا برؤية واضحة.

خاض المنتخب تجارب مع مدارس كروية مختلفة؛ أمام إسبانيا بما تحمله من أناقة الكرة، والبرازيل بما تمثله من دهشة القدم، وروسيا بما فيها من صلابة، و السعودية بما تحمله من تطور وإصرار..

كانت الوديات أقرب إلى مرآة كبيرة، رأى فيها المنتخب ملامحه وهو يتشكل شيئًا فشيئًا، حتى وصل إلى صورة مرضية أقرب إلى الاكتمال، وحقق منها الأهداف التى وُضعت له مسبقًا دون ضجيج أو مبالغة.. ولم يكن التحضير مجرد مباريات، بل كان إقامة مبكرة ومنظمة فى معسكر طويل داخل الولايات المتحدة الأمريكية قبل بدء المنافسات، كأن الفريق أراد أن يسبق الوقت نفسه، وأن يعتاد الهواء قبل أن يعتاد ضغوط البطولة..

وفى قلب هذا المشهد، يقف جيل يجمع بين التجربة والحلم، يقوده اسم لا يغيب عن ذاكرة الملاعب: محمد صلاح، وإلى جواره عمر مرموش، ذلك القادم بسرعة الضوء، وكأن المستقبل قرر أن يطرق الباب مبكرًا.. ولم تكن التفاصيل الإدارية بعيدة عن المشهد، فقد تضافرت الجهود بين الاتحاد المصرى لكرة القدم ورابطة الأندية المحترفة ليخرج كل شيء فى صورة أقرب إلى ما أراده المدير الفني..حتى موعد المعسكر الأخير جاء متسقًا مع الخطة، وكأن الزمن نفسه خضع للتنسيق..

أما البعثة التى رافقت المنتخب إلى الولايات المتحدة، فقد جاءت على نحو يضمن الانسجام مع اللوائح المنظمة، فى إطار يحفظ الشرعية ويؤسس لبيئة مستقرة، بعيدة عن العشوائية وقريبة من الاحتراف.. ولم يبخل مجلس إدارة الاتحاد برئاسة المهندس هانى أبو ريدة فى توفير كل ما يلزم لإنجاح هذه الرؤية، فكان الدعم حاضرًا بلا تردد..

وفى الخلفية، كانت هناك منظومة كاملة تتحرك بصمت؛ جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة، والمهندس هانى ابوريدة بما يحمله من خبرات دولية تجاوزت الربع قرن ومجلسى النواب والشيوخ إلى جانب الدور الفعال للشركة المتحدة راعية الكرة المصرية ، الكل اجتمع على قلب رجل واحد و فى مشهد واحد، كأنهم يقولون إن المنتخب ليس مجرد فريق، بل قضية وطن..

لقد وصلت مصر إلى هذه الحالة من الاستقرار والدعم غير المسبوق بشكل يحسب للجميع خاصة مجلس أبوريدة ، بما يجعل المقارنة لمصلحته مع مراحل تاريخية سابقة؛ جيل عام ١٩٩٠ بقيادة الراحل محمود الجوهري، وجيل ٢٠١٨ بقيادة الأرجنتينى هيكتور كوبر. لكن لكل زمن روحه، ولكل جيل امتحانه الخاص، وما بين الأمس واليوم تتغير التفاصيل، ويبقى الحلم واحدًا.

اليوم، لم يعد أمام الجهاز الفنى بقيادة حسام حسن ورفاقه سوى أن يحوّلوا هذا الدعم الكبير إلى نتائج على أرض الملعب، نتائج تليق بانتظار شعبٍ يملأ الشوارع والميادين والحارات فى كل مكان، وكأن العالم كله يتابع من نافذة واحدة اسمها مصر..

والثقة، رغم ثقلها، تبدو حاضرة. ثقة فى قائد اسمه صلاح، وفى صاروخ قادم اسمه مرموش، وفى مجموعة قيل إنها الأسهل نسبيًا مقارنة بمجموعات أخرى، بحسب ما ذهب إليه كثير من المحللين والإعلاميين العرب.

ثلاث فرص، ونظام جديد فى البطولة يفتح أبوابًا أوسع، حيث يصعد الأول والثاني، ومعهما أفضل ثالث، لتصبح الطريق إلى دور الاثنين والثلاثين أقرب مما كانت عليه فى السابق..طريق يبدو، فى ظاهره، أشبه بجرعة ماء، لكنه فى حقيقته امتحان آخر أكثر عمقًا، حيث تبدأ كرة القدم الحقيقية بعد الخروج من المجموعات، وحيث يُختبر الرجال لا الوعود.. ويبقى السؤال الذى لا يصرّح به أحد، لكنه يقف خلف كل شيء: هل ينجح هذا الجيل فى عبور البوابة الأولى، ثم ما بعدها، ليكتب لنفسه مكانًا مختلفًا فى سجل المونديال… أم يظل الحلم مؤجلًا إلى إشعار آخر؟
الأيام وحدها ستتكلم..أما الآن، فكل ما نملكه هو الانتظار.. و الدعاء، و الأمل.. كله تمام وعال العال بانتظار كتيبة حسام .