قد يبدو الربط بين كأس العالم وقرارات ترامب بشأن إيران أمرا بعيدا، ولكن فى الأحداث الكبرى يصعب الفصل بين السياسة والرياضة، واستضافة الولايات المتحدة لبعض مباريات البطولة، تشكل أحد العوامل التى تدفعه إلى التفكير مليًا، قبل اتخاذ قرارات مصيرية.
يدرك ترامب قيمة المشهد والصورة والرسالة الإعلامية، وينظر إلى الأحداث الكبرى باعتبارها فرصا لإبراز القوة الأمريكية، وتعزيز مكانة بلاده أمام العالم، وكأس العالم منصة دولية يتابعها مليارات البشر، ونافذة اقتصادية وسياحية وسياسية ضخمة، لذلك فإن العودة الى حرب إقليمية واسعة فى الشرق الأوسط، من شأنها أن تفرض أجواء مختلفة على الحدث، وتحول الاهتمام العالمى من الملاعب إلى ساحات الحرب.
ويدرك الرئيس الأمريكى ان استمرار التوتر، يضيف نتائج كارثية أخرى، على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة ومخاوف المستثمرين، وأعباء أمنية إضافية على الدولة المضيفة للبطولة، وفى ظل استعداد الولايات المتحدة لاستقبال ملايين المشجعين والزوار، فإن بلاده تحتاج بيئة دولية مستقرة، تضمن نجاح الحدث وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
لكن من الخطأ الاعتقاد أن حدث كأس العالم، قادر وحده على منع العودة للحرب، والتجارب التاريخية تؤكد أن المصالح الاستراتيجية الكبرى، تتفوق على الاعتبارات الرياضية والإعلامية، وإذا اقتنع ترامب بأن إيران تجاوزت فى اتخاذ مواقف، يعتبرها تمس الأمن الأمريكى أو أمن الحلفاء، فلن يتردد فى اتخاذ قرارات صعبة، حتى لو تزامنت مع استعدادات البطولة.. كأس العالم يمكن وصفها بأنها تكبح ولا تمنع.
والأرجح أن ترامب يحاول تحقيق معادلة دقيقة، تجمع بين إظهار القوة وتجنب الانزلاق، والاحتفاظ بأوراق الضغط على طهران، لكنه فى الوقت نفسه لا يرغب فى مشهد دولى مضطرب، يطغى على حدث يعتبره فرصة لإبراز النجاح الأمريكى، وهذه المعادلة تفسر إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض وتهيئة الظروف المناسبة.
أما بشأن حضوره افتتاح كأس العالم، فإن كل المؤشرات السياسية والبروتوكولية تجعل مشاركته أمرا طبيعيا، فهو يدرك الرمزية الكبيرة للبطولة، كما أن ظهوره فى المناسبة سيحمل رسالة داخلية وخارجية، مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على تنظيم أكبر حدث رياضى فى العالم، وسط أجواء من الاستقرار والثقة، وأن يتحول حضوره إلى جزء من المشهد السياسى المصاحب للبطولة، لا سيما وأنه يجيد استثمار المناسبات الجماهيرية الكبرى ،لتعزيز حضوره الإعلامى وإبراز دوره القيادى.
الخلاصة ان كأس العالم لا تصنع السياسة الخارجية الأمريكية، لكنها قد تؤثر فى توقيتها وإيقاعها، وتبقى الحسابات الأمنية هى العنصر الحاكم لأى قرار يتعلق بإيران، مع الحرص على نجاح البطولة العالمية، الذى يمثل هدفا إضافياً، يدفع واشنطن إلى تفضيل الاستقرار كلما كان ذلك ممكناً.
السؤال ليس هل تمنع كأس العالم العودة للحرب، ولكن ما إذا كانت ستؤجل بعض القرارات، أو تدفع نحو مزيد من الحذر السياسى حتى صافرة نهاية البطولة ؟.

مشكلة إسرائيل.. أمريكا تتغير!!
«القنطرة» و»الفردان»
أمريكا.. وإسرائيل والهجوم على إيران








