دينا الصاوي تكتب: "ورد على فل وياسمين".. حين تنتصر البساطة على الضجيج

دينا الصاوي
دينا الصاوي


نادراً ما يدفعني مسلسل إلى كسر انقطاع دام أكثر من عامين تقريبًا عن متابعة الأعمال الدرامية لكن “ورد على فل وياسمين” فعلها ببساطة شديدة.

 

ربما كان الإعلان الترويجي هو ما لفت انتباهي في البداية فقررت مشاهدة الحلقة الأولى دون توقعات كبيرة لكن مع مرور الحلقات وجدت نفسي أمام عمل مختلف استطاع أن يعيدني إلى متابعة الدراما من جديد.

 

في زمن أصبحت فيه كثير من الأعمال تعتمد على الصخب والمبالغة وكثرة الأحداث لإبقاء المشاهد أمام الشاشة اختار “ورد على فل وياسمين” طريقًا آخر أكثر هدوءًا وصدقًا، عمل لا يحاول أن يفرض نفسه على الجمهور بل يجذبهم تدريجيًا من خلال تفاصيله الإنسانية وشخصياته القريبة من الواقع.

 

واحدة من أبرز نقاط قوة المسلسل كانت الكوميديا الراقية والبسيطة التي اعتمدت على الموقف نفسه وعلى طبيعة الشخصيات، بعيدًا عن المبالغة أو الابتذال، ابتسامة حقيقية تخرج من المشاهد دون افتعال، وهو أمر أصبح نادرًا في كثير من الأعمال الدرامية.

 

وفي المقابل لم يكتفِ العمل بتقديم الجانب الكوميدي فقط، بل حمل أيضًا قدرًا كبيرًا من الإنسانية، فقد نجح في تسليط الضوء على معاناة البطلة وما مرت به من ظروف صحية وضغوط حياتية، مقدمًا رسالة مهمة حول ضرورة الانتباه إلى صحتنا وعدم تجاهل الإشارات التي يرسلها لنا الجسم، فكثيرون يعيشون وسط ضغوط الحياة اليومية ويتعاملون مع الأعراض باعتبارها مجرد إرهاق عابر، بينما قد تكون في بعض الأحيان رسالة تستحق التوقف والانتباه.

 

كما قدم المسلسل الفروق الاجتماعية بين شخصياته بصورة ذكية ومتوازنة، دون أحكام مسبقة أو مبالغات درامية، فجاءت الشخصيات حقيقية وقريبة من الناس، تشبه من نقابلهم في حياتنا اليومية، وهو ما منح العمل مصداقية كبيرة وسهّل على المشاهد الارتباط بأحداثه.

 

وعلى مستوى الأداء التمثيلي، نجحت صبا مبارك في تقديم شخصية مليئة بالتفاصيل الإنسانية، فنقلت مشاعر القوة والضعف والقلق والأمل بصدق وهدوء بعيدًا عن المبالغة.

 

كما قدم أحمد عبد الوهاب أداءً مميزًا اتسم بالعفوية والتلقائية، بينما أضاف باقي فريق العمل ثراءً واضحًا للأحداث، ليبدو الجميع وكأنهم جزء من عالم واحد متجانس ومقنع.

 

وكان للطفل المشارك في الأحداث حضور خاص ومؤثر، حيث استطاع بعفويته أن ينقل مشاعر الحب والارتباط والأمان التي تجمعه بوالدته، فكانت مشاهده من أكثر المشاهد صدقًا وتأثيرًا

 

أما الإخراج فكان أحد العناصر الأساسية في نجاح العمل، إذ تعامل مع التفاصيل بحساسية وذكاء، ومنح المشاهد مساحة للتفاعل مع الشخصيات دون استعراض أو افتعال.

 

كما نجح في تقديم عالم بصري مريح وقريب من الواقع، فبدت البيوت والشوارع والعلاقات طبيعية للغاية، وكأن المشاهد يتابع جزءًا من حياة حقيقية لا مجرد أحداث مكتوبة على الورق.

 

ويبقى الحديث عن الموسيقى التصويرية أمرًا لا يمكن تجاهله عند تناول هذا العمل، فالموسيقى ليست مجرد خلفية للمشاهد، بل عنصر أساسي في صناعة الإحساس، وأحيانًا تكون قادرة على قول ما تعجز عنه الكلمات.

 

وهنا يبرز دور الموسيقار شادي مؤنس الذي قدم موسيقى تصويرية منحت العمل روحًا إضافية وعمقًا شعوريًا واضحًا، فقد كانت الموسيقى حاضرة في اللحظات الإنسانية والرومانسية والكوميدية بالقدر المناسب تمامًا، دون مبالغة أو استعراض، لتصبح شريكًا حقيقيًا في السرد الدرامي لا مجرد عنصر مكمل له.

 

وشادي مؤنس واحد من الأسماء التي استطاعت خلال السنوات الماضية أن تترك بصمة مميزة في عالم الموسيقى التصويرية.

 

ومن اللافت في تجربته أنه بدأ حياته المهنية مهندسًا، لكنه اختار أن يمنح موهبته الموسيقية المساحة التي تستحقها، لينجح في بناء تجربة فنية خاصة جعلته واحدًا من أبرز المؤلفين الموسيقيين في هذا المجال، وما يقدمه في أعماله يؤكد دائمًا أن الموسيقى ليست رفاهية داخل العمل الفني، بل جزء أساسي من تكوينه وتأثيره.

 

الجميل في “ورد على فل وياسمين” أنه لا يعتمد على عنصر واحد فقط في نجاحه، بل على حالة من التناغم الواضح بين الكتابة والإخراج والأداء التمثيلي والموسيقى التصويرية، فكل عنصر يؤدي دوره بهدوء وثقة، ليخرج العمل بصورة إنسانية بسيطة وقريبة من المشاهد.

 

وبالنسبة لي، وبعد انقطاع دام أكثر من عامين تقريبًا عن متابعة المسلسلات والأعمال الدرامية، كان هذا العمل بمثابة تذكير جميل بأن الدراما لا تزال قادرة على أن تلامس القلوب عندما تُقدم بصدق، وإذا كنت ممن ابتعدوا عن الشاشة لفترة طويلة، فقد يكون “ورد على فل وياسمين” اختيارًا مناسبًا؛ لأنه يعيد إلينا شوارع وبيوتًا ووجوهًا افتقدنا رؤيتها كثيرًا، ويذكرنا بأن البساطة ما زالت قادرة على أن تكون أجمل عناصر الإبهار وأكثرها تأثيرًا.