أمريكا - بريطانيا - أستراليا| تحالف ينقل المواجهة مع الصين إلى أعماق البحار

وزراء أمريكا وبريطانيا وأستراليا على هامش القمة
وزراء أمريكا وبريطانيا وأستراليا على هامش القمة


‎شهدت سنغافورة مؤخرًا اجتماعًا لوزراء دفاع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، على هامش قمة أمنية إقليمية كبرى والمعروفة باسم حوار شانجريلا، فى لقاء بدا من حيث الشكل امتدادًا للتنسيق الدفاعى التقليدى بين الدول الثلاث، لكنه فى جوهره يعكس مرحلة أكثر تقدمًا داخل التحالف الأمنى الثلاثى المعروف باسم أوكوس.

ولم يكن هذا الاجتماع مجرد محطة بروتوكولية، بل جاء فى لحظة سياسية وعسكرية دقيقة، تتقاطع فيها اعتبارات التكنولوجيا العسكرية المتقدمة مع التوترات الجيوسياسية المتصاعدة فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ.

‎ويُنظر إلى تحالف أوكوس منذ تأسيسه عام 2021 بوصفه أحد أهم التحولات فى بنية التحالفات الغربية الحديثة، لأنه لا يقتصر على التعاون العسكرى التقليدى، بل يمتد إلى نقل وتطوير تقنيات متقدمة للغاية تشمل الغواصات النووية، والمسيرات، والذكاء الاصطناعى، وقدرات الحرب السيبرانية.

ومع ذلك، فإن المشروع واجه خلال السنوات الماضية انتقادات متكررة بشأن بطء التنفيذ، ومن هنا، فإن اجتماع سنغافورة يمكن قراءته كمحاولة لإعادة ضبط إيقاع المشروع وإثبات أن التحالف انتقل من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ الفعلى.

وكان أحد أبرز الدوافع وراء الاجتماع هو الدفع نحو تسريع ما يُعرف داخل أوكوس بـ«الركيزة الثانية»، وهى الركيزة التى تركز على القدرات التكنولوجية المتقدمة غير المرتبطة بالغواصات النووية فقط، بل تشمل أيضاً تطوير الطائرات المسيّرة تحت الماء والغواصات غير المأهولة والصواريخ الفرط صوتية بعيدة المدى، والروبوتات البحرية والذكاء الاصطناعى.

وتمثل هذه التقنيات تحولاً جذريًا فى مفهوم الحرب البحرية، إذ تتجه الجيوش الحديثة نحو تقليل الاعتماد على السفن المأهولة الكبيرة، لصالح أنظمة أكثر مرونة وقادرة على العمل فى بيئات شديدة الخطورة دون تدخل بشرى مباشر.

وفى هذا السياق، يكتسب مجال «الحرب تحت البحر» أهمية متزايدة، خصوصًا مع توسع الاعتماد العالمى على الكابلات البحرية وخطوط أنابيب الطاقة التى تمر عبر أعماق المحيطات.

ولم تعد هذه البنية التحتية مجرد عنصر اقتصادي، بل أصبحت جزءًا من الأمن القومى للدول الكبرى، نظرًا لاعتمادها على نقل الإنترنت والبيانات والاتصالات الدولية، ولذلك فإن حماية هذه الشبكات باتت أولوية استراتيجية، وهو ما يفسر تركيز الاجتماع على تطوير أنظمة مراقبة واستشعار متقدمة قادرة على العمل تحت سطح البحر لفترات طويلة.

وفى هذا الإطار أعلن وزراء دفاع الدول الثلاث أن بلادهم ستعمل على تطوير تكنولوجيا الطائرات المسيّرة تحت الماء لحماية الكابلات البحرية وتعزيز القدرات الدفاعية.

ومن المتوقع أن تصبح تكنولوجيا المركبات غير المأهولة تحت الماء جاهزة بحلول العام المقبل، وبينما لم يتم الإعلان عن التكلفة الإجمالية للمشروع، قال وزير الدفاع البريطانى جون هيلى إن المملكة المتحدة ستساهم بمبلغ 150 مليون جنيه إسترلينى (201 مليون دولار).

وجاء فى بيان مشترك أن المشروع الجديد سيشهد تطوير «أنظمة متطورة للغاية» للمركبات غير المأهولة تحت الماء، بحيث يمكن استخدامها لحماية البنية التحتية فى قاع البحار، وتنفيذ ضربات عسكرية، وأعمال المراقبة والاستطلاع والعمليات اللوجستية.

ويذكر أنه بموجب الركيزة الأولى من اتفاق الدفاع أوكوس، سيتم بناء غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية فى المملكة المتحدة وأستراليا لاستخدامها ضمن قواتهما البحرية.

وبالنسبة لأستراليا على وجه الخصوص، تمثل الصفقة تطويرًا كبيرًا لقدراتها العسكرية، لتصبح بذلك ثانى دولة تحصل على تكنولوجيا الدفع النووى الأمريكية المتقدمة، بعد بريطانيا التى بدأت بتلقيها قبل عقود.

ومن المقرر ألا تصبح غواصات أوكوس جاهزة قبل أربعينيات هذا القرن، وفى غضون ذلك، ستقوم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بتدوير غواصاتهما النووية الحالية عبر أستراليا، كما ستشترى أستراليا فى ثلاثينيات القرن الحالى غواصات نووية مستعملة من الولايات المتحدة.

كما حمل الاجتماع بعداً جيوسياسياً واضحاً مرتبطاً بتنامى النفوذ البحرى للصين فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ، فالتوسع الصينى فى بحر الصين الجنوبي، وتطوير قدراتها البحرية، أثار قلقاً متزايداً لدى واشنطن وحلفائها، الذين يرون أن ميزان القوى فى هذه المنطقة الحيوية يميل تدريجياً لصالح بكين، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى أوكوس كأداة استراتيجية لإعادة التوازن البحري، ليس عبر المواجهة المباشرة فقط، بل من خلال بناء تفوق تكنولوجى طويل الأمد.

وفى الوقت نفسه، يشير الاجتماع إلى رغبة الدول الثلاث فى تعزيز الردع البحرى فى مواجهة التهديدات المتغيرة، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية، فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الاشتباكات العسكرية المباشرة، بل باتت تشمل مجالات مثل التشويش الإلكتروني، والهجمات السيبرانية، والتخريب تحت البحر، وهو ما يفرض تطوير أدوات جديدة قادرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات المعقدة.

ومن الجوانب المهمة أيضاً أن الاجتماع جاء فى سياق محاولات لمعالجة الانتقادات السياسية الداخلية فى الدول الثلاث، خاصة فى أستراليا، حيث يثار جدل حول تكلفة مشروع الغواصات النووية، ومدى واقعيته من حيث الجدول الزمنى.

فالمشروع يمتد حتى أربعينيات هذا القرن، مما يطرح تساؤلات حول جدوى الاستثمار طويل الأمد، فى ظل تغيرات سياسية واقتصادية محتملة، لذلك فإن الاجتماعات الدورية مثل اجتماع سنغافورة تهدف إلى تثبيت الالتزام السياسى وإظهار أن المشروع مستمر رغم التحديات.

 أما على المستوى العسكرى العملي، فقد ناقش الوزراء سبل تعزيز التكامل بين القوات البحرية للدول الثلاث، بما فى ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق العمليات التدريبية، وتطوير قدرات مشتركة فى مجال التشغيل البحري.

ويعكس هذا النوع من التنسيق انتقال التحالف من مرحلة «التعاون الرمزي» إلى مرحلة «التكامل العملياتي»، حيث تصبح القوات أكثر قدرة على العمل كوحدة واحدة فى مسارح عمليات متعددة.

كما يعكس الاجتماع إدراكاً متزايداً لدى الدول الثلاث بأن التفوق العسكرى فى المستقبل لن يعتمد فقط على حجم الأساطيل، بل على جودة التكنولوجيا المستخدمة وقدرتها على التكيف مع بيئات القتال الحديثة، ولذلك فإن الاستثمار فى الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار، والتحكم عن بعد، أصبح جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الدفاعية الجديدة.

إلى جانب ذلك، يحمل الاجتماع رسالة سياسية واضحة إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء، مفادها أن التحالف الثلاثى ليس مشروعاً مؤقتاً، بل إطار استراتيجى طويل الأمد لإعادة تشكيل ميزان القوى فى المحيطين الهندى والهادئ، كما يهدف إلى طمأنة الدول الحليفة فى المنطقة بأن الولايات المتحدة وحلفاءها ملتزمون بالحفاظ على أمن الملاحة الدولية واستقرار الممرات البحرية الحيوية.

وفى المحصلة، يمكن القول إن اجتماع سنغافورة يمثل نقطة تحول مهمة فى مسار أوكوس، إذ يعكس انتقاله من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ، ومن التعاون التقليدى إلى بناء منظومة دفاعية متقدمة تعتمد على التكنولوجيا والابتكار كما يسلط الضوء على حقيقة أن الصراع الدولى المعاصر لم يعد محصوراً فى البر والجو والبحر فقط، بل بات يمتد إلى أعماق البحار، حيث تتشكل ملامح التوازنات الجديدة للقوة العالمية.