قد تُداوى السنون الجراحَ، أو تُنسى الآلامَ، إلا جرح 5 يونيو 1967. ما زلنا نشعر بآلامه وعمقه فى ضمير ونفسية الإنسان المصرى والعربى بصورة عامة. بعض الهزائم ليست مجرد خسارة معركة، وليست كل الحروب سطورا فى صفحات التاريخ. منها ما يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة ليتحول إلى زلازل تضرب أعماق الوعى الجمعى للشعوب. كانت نكسة 5 يونيو 1967 لحظة فارقة لم تترك أثرها على الخرائط وحدها، بل حفرت جرحا غائرا فى الروح المصرية والعربية.
خلال أيام قليلة انهارت صورة القوة التى بنيت عبر سنوات من الأحلام والخطابات والتعبئة الوطنية. تعرضت مصر لهزيمة قاسية فى سيناء وتعرضت سوريا والأردن كذلك لضربات موجعة، وانتهت الحرب باحتلال إسرائيل أراضى فى مصر وسوريا والأردن وفلسطين، وبعضها ما زال تحت الاحتلال.
ما تحطم فى يونيو لم يكن فحسب جيوشا أو خطوط دفاع. ما تحطم كان الحلم الكبير الذى عاشته الأمة. كانت الخمسينيات والستينيات زمنا استثنائيا فى الوجدان العربى. آمنت الجماهير بأن المستقبل لها وأن الاستقلال الوطنى بداية لنهضة شاملة، وأن الأمة تتجه نحو وحدة تاريخية تعيد لها مكانتها بين الأمم. كانت فكرة القومية العربية تتجاوز حدود السياسة لتصبح شعورا بالانتماء إلى حلم ومصير واحد.
جاءت النكسة لتخترق هذا الحلم فى القلب منه. لم تكن الصدمة عسكرية فقط، كانت وجودية مست جوهر العلاقة بين الإنسان العربى وصورته عن ذاته. فى علم النفس الجمعى لحظات تتحول فيها الأحداث الكبرى إلى عقد تاريخية تنتقل من جيل إلى جيل، ونكسة يونيو من هذا النوع.
أصابت النكسة فكرة الوحدة العربية فى الصميم. تراجعت لغة المشروع القومى الكبير، بدأت الهويات القُطرية تفرض نفسها. انكفأت كل دولة على همومها وتراجعت الأحلام الجامعة التى كانت تحرك وجدان الملايين من المحيط إلى الخليج.
لكن من بين أنقاض يونيو ومن مرارة السقوط ولد الإصرار على استعادة الأرض والكرامة. وجاء انتصار أكتوبر ليرمم جزءًا من جرح النكسة، لكن النكسة ذاتها ما زالت حاضرة فى الوجدان المصرى والعربى لأنها لحظة غيرت مسار أمة بأسرها، نتذكرها دائما.. حتى لا تتكرر.

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







