للدعم فى مصر «حدوتة» طويلة، لها بطلان لا ثالث لهما، الدولة والمواطن، وبحث محموم لا يتوقف عن العدالة فى توزيعه فى ظل صدمات اقتصادية متتالية فى حقب زمنية مختلفة، مع سؤال وحيد يتردد عبر العصور: هل يستمر العينى أم يتحول إلى نقدى؟
والحقيقة أن منظومة الدعم فى مصر لم تولد من رحم نظريات الاقتصاد أو كجزء من مشروع مخطط للعدالة الاجتماعية، بل فرضتها ظروف استثنائية صنعتها الحرب العالمية الثانية، فمع ارتفاع أسعار الغذاء ونقص السلع الأساسية واضطراب حركة التجارة العالمية، تصاعدت المخاوف من أزمة معيشية وغذائية دفعت الدولة إلى التدخل السريع لحماية المواطنين وتأمين احتياجاتهم الأساسية. وكان ذلك جزءًا من موجة عالمية لجأت خلالها حكومات كثيرة إلى الدعم والتدخل المباشر فى الأسواق لمواجهة التداعيات الاقتصادية القاسية للحرب.
كان العالم آنذاك لا يزال يداوى جراح الكساد العظيم الذى ضرب الاقتصاد الدولى فى ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تأتى الحرب العالمية الثانية لتضاعف من حدة الأزمة، ومع نقص السلع فى الأسواق المحلية وارتفاع أسعارها بصورة غير مسبوقة، اضطرت الدولة إلى التدخل المباشر لتوفير القمح والدقيق والذرة وطرحها بأسعار مخفضة للمواطنين. ومن هنا وُلدت أولى صور الدعم التموينى فى مصر، لتصدر أول بطاقة تموينية ورقية بموجب قرار الملك فاروق رقم 95 لسنة 1945، فاتحةً صفحة جديدة فى تاريخ العلاقة بين الدولة والمواطن.
ما بعد ثورة يوليو
ثم جاءت مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952 لتمنح منظومة الدعم بعداً اجتماعياً أوسع، قبل أن تؤدى تداعيات حرب يونيو 1967 إلى زيادة عدد السلع المدعومة بصورة كبيرة فى إطار الدور الاجتماعى المتنامى للدولة المصرية آنذاك.
وعلى امتداد أكثر من ثمانية عقود، تحول الدعم إلى شبكة أمان اجتماعى احتمى بها ملايين المصريين فى مواجهة الحروب والأزمات والتقلبات الاقتصادية، وظل السؤال الصعب الذى يهرب منه الكثيرون: هل كان الدعم بالفعل يصل إلى مستحقيه؟!.. المؤكد أنه لم يكن كل من يحصل على الدعم محتاجاً إليه بالقدر نفسه، وليس كل من يحتاج إليه كان يحصل عليه بالقدر الكافي.
ومن هنا بدأت الحكومات المصرية المتعاقبة رحلة طويلة للبحث عن صيغة أكثر عدالة وكفاءة للدعم، فشهدت المنظومة مراحل متتالية من التطوير، بدأت بتحديث البطاقات التموينية، ثم التحول إلى البطاقات الذكية، وانتهت إلى بناء قواعد بيانات أكثر دقة لتحديد المستحقين. وكان الهدف فى كل مرحلة هو الانتقال من الدعم العام إلى الدعم الموجَّه، بحيث تصل الموارد المحدودة إلى الفئات الأكثر احتياجاً. لكن هذا المسار قاد فى النهاية إلى السؤال الأهم فى ملف الدعم كله: هل تكون العدالة فى دعم السلعة أم فى دعم المواطن نقدياً؟ وهو سؤال لا يزال يثير جدلاً واسعاً بين المؤيدين والمعارضين، ولكل طرف أسانيده وحججه التى يدافع بها عن موقفه.
المؤيدون للدعم النقدى يستندون إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الدعم النقدى المباشر للمواطن أكثر كفاءة من دعم السلع، فالدعم العينى كثيراً ما يتعرض للتسرب والهدر، كما أنه يسمح أحياناً باستفادة شرائح ليست فى حاجة حقيقية إلى المساندة الحكومية، ومن ثم فإن توجيه الدعم مباشرة إلى المواطن يمنح الأسرة حرية الاختيار، ويضمن وصول الأموال العامة إلى مستحقيها، ويرفع من كفاءة الإنفاق الحكومي.
أما المعارضون، فيطرحون مخاوف مشروعة تتعلق بقدرة الدعم النقدى على مواكبة معدلات التضخم وتقلبات الأسعار، ويتساءلون عما إذا كانت قيمة الدعم ستظل قادرة على توفير الاحتياجات الأساسية فى حال حدوث ارتفاعات مفاجئة فى الأسواق، كما يثيرون تساؤلات حول دقة قواعد البيانات وآليات تحديد المستحقين، خشية خروج بعض الأسر الفقيرة من مظلة الحماية الاجتماعية خلال مرحلة التحول.
الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الحكومة رد على ذلك النقاش بتأكيده على أن التحول الجارى لا يستهدف تقليص الدعم أو تخفيف أعباء الموازنة على حساب المواطنين، بل يهدف إلى تحقيق عدالة أكبر فى التوزيع، لافتا إلى أن الدولة تتعامل مع ملف الدعم النقدى بمنطق واقعى يستهدف الحد من أوجه الفاقد وعدم الكفاءة، وضرب مثلا حيا حول أن نسبة عدم الكفاءة فى منظومة الخبز المدعم وحدها تقترب من 25%.
وهذه النسبة لا تعنى غياب الدعم أو فشله، لكنها تعكس حجم الموارد التى يمكن إعادة توجيهها إلى الفئات الأكثر احتياجاً إذا تم إحكام منظومة الاستحقاق، ولذلك شدد رئيس الوزراء على أن الدولة لا تستهدف خفض الدعم من خلال التحول إلى النظام النقدي، وإنما تسعى إلى رفع كفاءة توزيعه وضمان وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين.
بحسب تصريحات رئيس الوزراء تقوم الرؤية الحكومية الجديدة على تقسيم المجتمع إلى شرائح استحقاق مختلفة، بحيث تحصل الفئات الأكثر فقراً والأشد احتياجاً على مستويات أعلى من الدعم مقارنة بالفئات الأخرى، وهى فلسفة تعكس مفهوماً أكثر دقة للعدالة الاجتماعية؛ فالمساواة المطلقة ليست دائماً عدالة، بينما تتحقق العدالة الحقيقية عندما يحصل الأكثر احتياجاً على النصيب الأكبر من الرعاية والمساندة.
وللإنصاف تمتلك الدولة المصرية برامج متعددة لدعم الأسر الأولى بالرعاية فى مقدمتها برنامج «تكافل وكرامة» أحد أكبر برامج الدعم النقدى فى المنطقة العربية، مستهدفاً ملايين الأسر الأكثر احتياجاً والبرنامج يمتلك قاعدة بيانات قوية أثبتت نجاحها.
ولا يخفى على أحد أيضا حجم المخاطر الاقتصادية الناجمة عن الحرب المشتعلة فى الإقليم وما تفرضه من تحديات على قدرة الدولة توفير احتياجاتها الأساسية مع ارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية والقفزات القياسية فى أسعار البترول ومشتقاته واستمرار تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادى بالتوازى مع التوسع فى شبكات الأمان الاجتماعى، وهو أمر كان محل إشادة العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية بقدرة الاقتصاد المصرى على الصمود أمام الصدمات الخارجية، وباستمرار تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الهادفة إلى تعزيز النمو وجذب الاستثمارات وتحسين بيئة الأعمال، رغم استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية والإقليمية.
ومن هذا المنطلق يبدو التحول إلى الدعم النقدى جزءاً من رؤية أوسع لإعادة توجيه الموارد العامة بكفاءة أكبر، فكل جنيه يتم توفيره من خلال تقليل الهدر أو منع التسرب يمكن أن يتحول إلى دعم إضافى لأسرة فقيرة، أو خدمة صحية أفضل، أو مدرسة أكثر كفاءة، أو برنامج حماية اجتماعية أكثر شمولاً.
حماية الدعم من التضخم
غير أن نجاح هذا التحول يبقى مرهوناً بشرط أساسى لا يجوز التهاون فيه، وهو حماية المواطنين خلال فترة الانتقال، فالدولة مطالبة بضمان عدم تآكل القيمة الحقيقية للدعم بفعل التضخم، وتحديث قواعد البيانات بصورة مستمرة، وتوفير آليات عادلة للتظلمات والمراجعة، والتواصل الدائم مع المواطنين لشرح أهداف الإصلاح ومراحله وضمان عدم تضرر أى فئة مستحقة.
إن العدالة الحقيقية لا تكمن فى دعم سلعة قد يستفيد منها المحتاج وغير المحتاج بالقدر نفسه، وإنما فى ضمان وصول الدعم إلى المواطن الذى يستحقه بالفعل، لذلك يبدو أن الطريق إلى عدالة الدعم لا يرتبط بشكل البطاقة أو آلية الصرف بقدر ما يرتبط بفلسفة جديدة تضع الإنسان فى قلب المعادلة، فربما يكون الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن نقدياً هو الخطوة الأقرب إلى تحقيق العدالة المطلوبة ووقف تسرب الدعم لغير مستحقيه، شريطة أن يقترن ذلك بضمانات تحمى الفئات الأكثر احتياجاً وتحافظ على قدرتها المعيشية، ففى النهاية، يبقى الهدف من الدعم هو الإنسان، لا السلعة.

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







