هل يمكن أن تعثر على توابيت مصرية خالصة داخل متحف في تركيا؟ الإجابة نعم، فداخل متحف إسطنبول الأثري تُعرض ثلاثة توابيت مصرية نادرة صنعت في وادي النيل قبل أكثر من 2500 عام، قبل أن تنتقل إلى مدينة صيدا الفينيقية ثم إلى إسطنبول، في رحلة تاريخية تكشف جانبًا من العلاقات السياسية والعسكرية بين مصر القديمة وسواحل شرق البحر المتوسط.
يكشف الباحث الأثري الدكتور حسين دقيل، المتخصص في الآثار اليونانية الرومانية، قصة ثلاثة توابيت مصرية فريدة تُعرض اليوم داخل متحف إسطنبول الأثري، رغم أنها صُنعت في مصر وغادرتها منذ أكثر من خمسة وعشرين قرنًا.

◄ تاريخ التوابيت وكان اكتشافها
وتعود هذه التوابيت إلى العصر المتأخر من التاريخ المصري القديم، حيث نُحتت من أحجار صلبة داكنة وفق الطراز المصري المعروف، قبل أن تصل إلى مدينة صيدا الفينيقية، الواقعة في لبنان الحالية، لتُستخدم في دفن ملوك وأفراد من الأسرة الحاكمة هناك.
وفي عام 1887، تمكن عالم الآثار العثماني عثمان حمدي بك من اكتشاف هذه التوابيت داخل جبانة الملوك في صيدا، وذلك ضمن واحد من أشهر الاكتشافات الأثرية في المنطقة، والذي ضم أكثر من عشرين تابوتًا ملكيًا.

وبعد العثور عليها جرى نقلها إلى إسطنبول، حيث أصبحت من أبرز مقتنيات المتحف الأثري بالمدينة. ويُعد تابوت الملك تبنيت من أشهر هذه التوابيت، إذ عُثر بداخله على بقايا الجثمان محفوظة بصورة لافتة للنظر، كما يحمل التابوت نقوشًا هيروغليفية مصرية إلى جانب كتابات فينيقية، وهو ما يعكس التداخل الثقافي والحضاري بين مصر وفينيقيا خلال تلك الفترة.
◄ مدافن الأسرة الملكية
وتُشكل هذه التوابيت شاهدًا أثريًا مهمًا على قوة العلاقات التي ربطت مصر القديمة بسواحل شرق البحر المتوسط قبل أكثر من 25 قرنًا، سواء على المستوى السياسي أو التجاري أو الثقافي.
اقرأ ايضا| حكايات من كيمت| السر المدفون.. كيف أعادت مقبرة حورمحب رسم تاريخ وادي الملوك؟

ويؤكد الباحثون أن التوابيت الثلاثة لم تُصنع في لبنان، وإنما صُنعت داخل مصر خلال عهد الأسرة السادسة والعشرين، المعروفة بالعصر الصاوي، في القرن السادس قبل الميلاد، أي قبل نحو 2500 عام، كما أنها توابيت مصرية خالصة من حيث التصميم وطرق النحت والخامات المستخدمة في صناعتها.
وتشير الدراسات إلى أن هذه التوابيت ربما صُنعت في الأصل لشخصيات مصرية رفيعة المكانة، قبل أن تغادر مصر في وقت لاحق لتصبح جزءًا من مدافن الأسرة الملكية في صيدا.
وتخص التوابيت الثلاثة أسرة ملكية واحدة من ملوك صيدا الفينيقيين، ما يزيد من أهمية هذا الاكتشاف باعتباره دليلًا على التفاعل الحضاري بين المنطقتين.
◄ كيف وصلت هذه التوابيت المصرية إلى صيدا؟
ورغم عدم وجود نص تاريخي قديم يروي القصة بشكل مباشر، فإن الرأي العلمي الأكثر قبولًا بين الباحثين يرجح أن الفينيقيين الصيدونيين شاركوا إلى جانب الملك الفارسي قمبيز الثاني في غزو مصر عام 525 قبل الميلاد.

ويُعتقد أن بعض التوابيت المصرية نُقلت إلى صيدا، إما باعتبارها غنائم حرب أو كهدايا سياسية قُدمت إلى النخبة الحاكمة هناك.
وهكذا تظل هذه التوابيت الثلاثة شاهدة على رحلة استثنائية بدأت في ورش النحت المصرية القديمة، مرورًا بصيدا الفينيقية، وانتهاءً داخل متحف إسطنبول الأثري، حاملة معها فصولًا من التاريخ المشترك بين حضارات شرق البحر المتوسط.

نقلة نوعية للقطاع الصناعي.. صندوق جديد لتمويل الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي
حكايات من كيمت| السر المدفون.. كيف أعادت مقبرة حورمحب رسم تاريخ وادي الملوك؟
«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟







