«الإسلاموفوبيا اليومية» عندما تصبح الهوية تهمة والمظهر مبررا للتحيز

الكتاب
الكتاب


ظاهرة متجذرة فى تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين بالمجتمعات الغربية تكرس التمييز ضدهم 

مضايقات للمسلمين فى الشوارع والمطارات ووسائل النقل والمستشفيات والأسواق ومجالات العمل.. وتشير تقارير أكاديمية إلى أن التمييز ضد المسلمين فى أوروبا بات متجذراً فى مؤسسات التعليم

ظاهرة كراهية المسلمين تضعف قدرة المجتمعات الديمقراطية على إعلاء قيم التنوع والاختلاف

يقترح «الكتاب» استراتيجيات عملية لمواجهة الظاهرة على مستويات مختلفة من الفرد إلى المجتمع والسياسة

«أسمع كلام الغرب عن التسامح وحرية الاعتقاد وحقوق الانسان، أصدقهم، «أشوف» تحاملهم على المسلمين «أستعجب». من هنا تأتى أهمية كتاب «الإسلام فوبيا كل يوم» أو «الإسلاموفوبيا اليومية» « Every day Islamophobia للباحث البروفيسور «بيتر هوبكنز» «أستاذ الجغرافيا الاجتماعية بجامعة نيوكاسل البريطانية». يعد الكتاب دراسة أكاديمية مهمة تركز على كيفية تغلغل العنصرية ضد المسلمين فى تفاصيل حياتهم اليومية العادية بالغرب.

كما يعد من أحدث وأهم الدراسات التى ترصد تلك الظاهرة من خلال أمثلة واقعية وحالات حقيقية تتعلق بتجارب المسلمين والمسلمات فى مجالات الحياة اليومية: فى الشارع، والمدرسة، وأماكن العمل، والمستشفيات، وحتى وسائل النقل والأسواق، وصولًا إلى الفضاء الرقمى.

إذ يعيش مسلمون ومسلمات تجربة يومية متكررة من التحيز والتحامل والاضطهاد تُعرف فى الأدبيات المعاصرة بـ «الإسلاموفوبيا اليومية».

هذا المصطلح لا يشير فقط إلى كراهية ظاهرية عنيفة، بل إلى سلوكيات وتعاملات يومية تبدو صغيرة أو عابرة، لكنها تتكرر لتترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا.

فى قلب الجدل الراهن حول الهوية، والتعددية، وحرية التعبير، تتبدى ظاهرة اجتماعية وسياسية تكاد لا تحظى بالاهتمام الكافى فى الخطاب العام الغربى، لكنها تؤثر فى حياة ملايين البشر يوميًا وهى «الإسلاموفوبيا اليومية». ربما يبدو المصطلح فى الوهلة الأولى مجرد وصف نظرى، لكنه - كما يوضح الباحث «بيترهوبكنز» فى كتابه بأنها ظاهرة متجذرة فى تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين فى المجتمعات الغربية، وتتجاوز التحيز الفردى إلى أن تصبح نظامًا ممنهجاً من الممارسات، والأفكار، والسياسات التى تعمل معًا لتكريس التمييز ضد المسلمين، أو من يتم تصويرهم كمسلمين.    

 المعنى العميق

عندما يتحدّث الناس عن «الإسلاموفوبيا» فى الإعلام أو السياسة غالبًا ما يتصورون حادثة عنيفة أو أعمال كراهية واضحة المعالم، ولكن «هوبكنز» يبدأ فصله الثانى بتحديد معنى أعمق، وأكثر تعقيدًا. فهى فى رؤيته مجموعة متكررة من التحيزات، والتصرفات، والمواقف السلبية التى يواجهها المسلمون - أو من يُعتقد أنهم مسلمون - أثناء تفاعلهم مع العالم من حولهم، فى شتى مناحى الحياة اليومية، من الشارع إلى المؤسسات. هذه التحاملات لا تكون دائمًا عنيفة أو صادمة بصريًا، لكنها تنطلق من نفس الأيديولوجيا التى تنتج العنف والتهميش، وتتحوّل مع الوقت إلى جزء من السياق الاجتماعى الذى يشكّل هوية الأشخاص وتجاربهم النفسية والاجتماعية.  

بداية الأذى

   قد يبدو فى البداية أن عبارات مثل: «من أين أنت حقًا؟ هل أنت مواطن هنا؟» «هل تتكلم لغتك الأصلية حقًا؟» التى يتعرض لها المسلمون لها أينما حلوا فى أى مكان، تظهر على أنها عادية. لكن أحد أفراد الجالية الإسلامية يقول: «عندما يُكرر عليك السؤال مرارًا وتكرارا كتعبير واضح عن الشك فى انتمائك، يتحول إلى عنصر ضغط نفسى رهيب.» ويضيف فى أحد اقتباسات الكتاب: «أشعر أن وجودى هناك يُشكّل مشكلة فى ذهن السائل»، ويرى «هوبكنز» أنها استفهامات سخيفة موجهه للجميع من المسلمين والمسلمات، إلا أن المسلمات وخاصة المرتديات للحجاب ينلن نصيبا وافرًا من المضايقات اليومية، ومنها تعليقات فورية على المظهر والملابس مثل: «هل أنتِ مضطرة لارتدائه؟ ألا يمكن أن تختارى ملابس أكثر «عصرية»؟ «لماذا ترتدين الحجاب فى فصل الصيف، ألا يزعجك الحر؟ أو « هذا ليس مكانك للعيش».

« لماذا لا تبدين مثل باقى النساء هنا؟» وتقول إحدى المسلمات: «أحيانًا أشعر أننى يجب أن أقدّم تبريرًا لوجودى فى كل مكان. مجرد أن أرتدى الحجاب فى الحافلة يدفع ذلك بعض الأشخاص إلى الابتعاد عنى، أو التحديق فى وجهى كما لو كنت أمثل تهديدا للموجودين فى الحافلة».! 

هذه العبارات - التى قد يعتقد البعض أنها «غير مؤذية» - تكرّس لفكرة بأن الحجاب أو المظهر الدينى هو «شىء غير طبيعي» أو «يستحق الاستغراب»، وهو ما يشكل مضايقة نفسية مكررة ذات أثر نفسى عميق.  وكلها أسئلة وعبارات قد تبدو» بريئة أو غير صادمة» فى ظاهرها ولكن - كما يشرح هوبكنز - تكرار هذه الأسئلة على مدار الأيام، والأسابيع والسنوات يجعلها أكثر من مجرد تعليقات عابرة. فهى تكرّس شعورًا بالاختلاف، وتضع الشخص فى حالة دفاع نفسى دائم، وتكرّس فكرة أن وجوده الدينى أو الثقافى رجلا كان أو امرأة يمثل «مشكلة» تحتاج تفسيرًا أو موافقةً أو توضيحًا. 

ويقتبس الكتاب قولا لإحدى المسلمات يعبر عن نظرات الشك والريبة فى كل ما هو إسلامى تقول» كان كل شىء عاديًا إلى أن دخلت محلا للبقالة. فى اللحظة التى عبرت فيها الباب، شعرت أن النظرات كلها مركزة تجاهى. الجميع كان يراقبنى كما لو أنهم يشكون فى احتمال وقوع جريمة لم يرتكبها أحد بعد». 

يفسر «الباحث» هذا النوع من النظرات بأنها دلالة ضمنية على الشك والريبة، تتكرر فى العديد من الفضاءات العامة، ليس فقط فى المتاجر بل على الأرصفة، والحافلات، ومواقف السيارات، وحتى المرافق الصحية. وهذا ما يميّز «الإسلاموفوبيا» اليومية عن النظرة السطحية الشائعة إليها. فهى ليست مجرد تصرّف واحد أو موقف معزول، بل سلسلة من التجارب الصغيرة التى لها أثر كبير على المستوى النفسى الاجتماعى. والمجمع

الصناعى للإسلاموفوبيا

تتجاوز «الإسلاموفوبيا» اليومية حدّود تحامل الأفراد إلى أن تصبح جزءًا من نظام اجتماعى مؤسسى، وهو ما يسميه هوبكنز «المجمع الصناعى للإسلاموفوبيا» والذى يركز عليه فى الفصل الثانى من الكتاب ويرى أن هذا المجمع يتكون من:  

  أولا - المؤسسات الإعلامية   

 لا يمكن الحديث عن «الإسلاموفوبيا» الحديثة دون تناول دور الإعلام الذى يشكّل أحد أهم مصادر الصور النمطية عن المسلمين. فى كثير من التقارير الإعلامية الغربية، نجد أن التصور المتداول عن المسلمين غالبًا ما يكون مرتبطًا بالإرهاب، والصراع، والتطرف، بينما يتم تهميش القصص الإنسانية عن أعمالهم لخدمة أقرانهم فى المجتمع، ولا يقتصر التهميش على ذلك فقط فالإنجازات العلمية والثقافية، والمساهمات الاجتماعية للمسلمين فى المجتمعات الغربية والعالمية دائما ما تكون غائبة. هذا النوع من التغطية لا يؤدى فقط إلى تعزيز الصور النمطية، بل أيضًا إلى تغذية مخاوف غير منطقية فى وعى الجماهير، وغالبًا ما يصبح معيارًا لفهم «من هو المسلم» أو «ما الذى يمثّله».

الإسلاموفوبيا الرقمية

  يتناول الكتاب أيضًا «الإسلاموفوبيا» الذائعة على وسائل التواصل الاجتماعى والتى يبث عليها رسائل للتحقير والاستهزاء من المسلمين، أو هجمات على الحسابات الاجتماعية لهم ولهن. مع نشر واشاعة صور نمطية مرتبطة بالإرهاب أو التطرف. بجانب المضايقات الرقمية «كتهكير» الحسابات والتهديدات المباشرة أحيانا. وبث تغريدات أو منشورات مسيئة مثلما ذكرته احدى المسلمات: «تعليق تحت صورتى»: لن تكونى فى مكاننا أبدًا- وهذا بسبب صورتى المنشورة بالحجاب» هوبكنز» يصف هذه الحالات بأنها امتداد وانتقال للمضايقات اليومية من العالم الواقعى إلى العالم الرقمى، حتى يكون المسلم مستهدفًا بشكل مستمر.

ثانيا - المؤسّسات الحكومية والسياسات الأمنية 

ليس المقصود هنا انتقادًا عشوائيًا فقط؛ بل هناك دراسات أكاديمية تؤكّد أن بعض السياسات الأمنية فى الدول الغربية - مثل التشدد فى مراقبة المساجد، أو ملاحقة المقيمين بناءً على الخلفية العرقية أو الدينية - تؤدى إلى شعور دائم لدى المسلمين بأنهم موضع ريبة، وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ها هو القلق يتحوّل من مجرد شعور فردى إلى تجربة حياتية متواصلة فى المؤسسات الرسمية نفسها.  

ثالثا- التعليم والعمل.. مؤسستان للتحيز

كثير من الدراسات الميدانية - بجانب ما يرصده «هوبكنز» - أظهرت أن الطلاب المسلمين يواجهون تحاملات واستفزازات فى المدارس والجامعات، سواء فى أسلوب التعامل، أو مواقف المعلمين، أو فى توزيع الفرص. كذلك فى سوق العمل قد يواجه المسلمون - وخاصة الذين يحملون أسماء تفصح عن دينهم - تمييزًا غير معلن عند التقدم للوظيفة أو فرص الترقية فى هذا الصدد، يتحول التعليم والعمل من أن يكونا مساحات للاندماج وتكافؤ الفرص، إلى مساحات تُذكّر دائما الفرد بكونه «مختلفًا»، ومراقَبًا.

مضايقات الشوارع

إذا كانت المؤسسات تُكرّس «الإسلاموفوبيا» بأطر رسمية أو شبه رسمية، فإن الفضاءات العامة - من الشارع إلى وسائل النقل - تُظهر أشكالًا أكثر مباشرة وتأثيرًا من المضايقات اليومية كما يركز عليها «هوبكنز» فى الفصل الثالث من الكتاب ففى الشارع والحياة اليومية  يرتبط ظهور «الإسلاموفوبيا» فى الفضاءات العامة بـ: نظرات طويلة ومريبة - تجنب الجلوس بجوار شخص مسلم فى الأماكن العامة -- تعليقات غير مرغوبة حول المظهر الدينى. ربما لا تبدو هذه التصرفات «جرائم واضحة»، لكنها تُضاف بعضها إلى بعض لتخلق شعورًا دائمًا بعدم الراحة، أو بأن المرء ليس مرحّبًا به.  

   فى وسائل النقل العام

لا تتوقف المضايقات عند مجرد النظرات. ففى الحافلات والقطارات والطائرات تواجه بعض النساء المسلمات - خاصة اللواتى يرتدين الحجاب - متاعب غير مبررة مثل التفتيش المشدد، أو أسئلة متكررة حول هويّتهن، أو حتى الإحساس بتركز النظرات المريبة من الركاب عليهن. تذكّرنا هذه المواقف بأن الفضاء العام لا يكون حياديًا مثلما نتصوّر؛ فعندما تُفرض نظرة مليئة بالشكوك على شخص ما بسبب مظهره الدينى، فإن الحيادية تتحوّل إلى عداء خفى. 

فى استهداف المساجد

لا يقتصر التمييز والتحامل على النظرات أو التعليقات، بل فى أحيان كثيرة يصبح الفضاء العام موقعًا لـ : احتجاجات تستهدف وجود المساجد فى الحى - تحاملات لفظية أمام الأماكن الدينية. وفى بعض الأحيان يكون الاستهداف بشكل مباشر للمساجد أو الممتلكات التابعة للجالية المسلمة. هذه الأحداث - التى كثيرًا ما تُصنّف كـ «حادث فردى» أو «عمل تخريبى» - لكن لها تأثيرات أعمق عندما يُنظر إليها فى سياق «الإسلاموفوبيا اليومية» ككل.  

تحيز رسمى وغير رسمى

بينما تبدو الفضاءات العامة ميدانًا للتعاملات اليومية غير الرسمية، فإن المؤسسات التعليمية والحكومية والدينية تمثّل مواقع مركزية لتكرّيس «الإسلاموفوبيا» فى الحياة اليومية للمسلمين وبحسب المؤلف فى الفصل الرابع من الكتاب فان الطلاب المسلمين فى المؤسسات التعليمية والأكاديمية غالبًا ما يشعرون بأنفسهم انهم موضع مراقبة أو شك مستمر، وأن عليهم دوما أن يشرحوا هويتهم أو معتقداتهم حتى فى سياقات لا علاقة لها بالدين.

بعيداً عن الشارع، يتعرض الكثير من الطلاب المسلمين - من كلا الجنسين - لممارسات تفوق مجرد تعريف الهوية وتصل إلى حدود التمييز التعليمى أو الاجتماعى وسخرية غير مباشرة أو التعليقات العنصرية. ففى الفصول الدراسية، كثيراً ما يواجه الطالب المسلم تعليقات مثل: «أنت لا تبدو مثل باقى الطلاب هنا» أو «هل ستصوم خلال الامتحان». بجانب الإحراج المستمر من بعض المعلمين بسبب حجاب الطالبات أو بعض ممارسات الشعائر الدينية. قد تبدو هذه الأسئلة، وهذه التصرفات «أسئلة عادية وتصرفات عادية»، لكنها تشدد الانتباه بشكل غير ضرورى على انتماء الطالب الدينى أو الثقافى، مما يضعف من شعوره بالاندماج.  

الثقافة الإسلامية الغائبة

غياب ذكر المسلمين دائماً إلا داخل السياق الأمنى أو الصراعات يُضخّم الشعور بالتمييز ضدهم. حيث تشير تقارير أكاديمية إلى أن التمييز ضد المسلمين فى أوروبا بات متجذراً فى مؤسسات التعليم نفسها وليس مجرد فعل فردى عابر. ولا يقتصر الأمر على الطلاب فقط؛ إذ إن المناهج التعليمية غالبًا ما تُغفل مساهمات المسلمين فى العلوم والثقافة، أو تذكرها فى سياقات مرتبطة بالصراعات والنزاعات فقط. هذه الممارسات لا تُنتج فهمًا موضوعيًا أو احترامًا للثقافات المختلفة فحسب، بل تُكرّس فكرة أن المسلم هو «آخر» يجب تفسير وجوده فى كل موقف وكل مكان.  

تحيزات سوق العمل

فى سوق العمل، يواجه المسلمون ـ مرة أخرى ـ تمييزًا غير معلن فى التوظيف والترقية والتعامل مع الزملاء والرؤساء. فى بعض الحالات: يفضل المرشحين غير المسلمين للوظائف على من يحمل اسمًا أو مظهرًا مسلما. كما تُطرح أسئلة متحيّزة فى المقابلات حول الاندماج الثقافى وتُصنّف بعض الملامح الدينية كـ «تحديات أو استفزازات « بدلًا من أن تُعتبر حقًا للهوية.

كما يتخذ هذا التمييز أشكالاً أقل وضوحاً لكنه لا يقل تأثيراً مثل: رفض وظائف أو فرص قبل النظر فى المؤهلات إذ يحدث فى بعض الحالات أن يحصل المرشح غير المسلم على فرصة مقابلة أو ترقية بينما يُطلب من المرشح المسلم الانتظار لفترة طويلة أو يُطرح عليه أسئلة عن «الاندماج الثقافى» أو «الملاءمة للمكان». ويقتبس المؤلف قول أحد المسلمين: فى مقابلة للحصول على وظيفة، طلب منى مسئول أن أشرح كيف سأتعامل مع «ثقافة العمل الغربية» وكأن هويتى الدينية تحول بينى وبين أن أكون كفؤا للوظيفة». 

  كل ذلك فى كثير من الأحيان يعد حججا غير مهنية مرتبطة بالتحامل ولذلك يضطر بعض المسلمين الى تجنب الحديث عن المظهر الدينى. إذ قد يشعرون أن التحدث عن هويتهم الدينية أو ممارساتهم (مثل الصلاة أو الصيام) قد تُستخدم ضدهم فى قرارات الترقيات أو توزيع المهام، مما يقودهم إلى إخفاء جانب من هويتهم حتى ينالوا القبول (الصلاة سرا، الاختفاء وقت الغداء خلال شهر رمضان) التمييز هنا لا يكون غالبًا فى صورة حظر رسمى، بل فى ممارسات يومية تُستبعد فيها قيم المساواة والعدل والاحترام المتبادل. وعبر عن ذلك أحد الموظفين المسلمين «أحيانًا كنت أشعر أن اسمى كان عقبة قبل أن أبدأ العمل، وكان يتعين عليّ إثبات نفسى أكثر من غيرى». وهذا يفسر أن الكثيرين من المسلمين لا يبلغون عن حوادث الكراهية ضدهم لدرجة أنها من كثرتها تطبعوا معها، على الرغم من أن تقارير دولية عديدة تؤكد أن التمييز ضد المسلمين أصبح ظاهرة مألوفة فى أوروبا.

تأثيرات مؤلمة للمسلمين

إذا كانت المضايقات اليومية تبدو «بسيطة» عند تشريحها كلمة بكلمة، فإن تكرارها وتأثيرها المستمر يؤديان إلى خلل اجتماعى ذى أبعاد نفسية، اجتماعية، وحتى صحية. ويستدعى المؤلف تصريحا لمريض مسلم مسن» كنت أعانى من ألم شديد، وعند وصولى إلى الطوارئ، سألت الممرضة عن بلدى الأصلى أولاً قبل أن تسألنى عن الأدوية التى أتناولها» ولم يقتصر الأمر على ذلك بل وصل إلى إبداء تعليقات غير مهنية من الأطباء فى غرفة العمليات « قال لى أحد الأطباء بشكل غير مباشر: «أنت من ثقافة مختلفة، لذا سنبذل جهدًا إضافيًا لشرح العملية لك، شعرت وقتها بأنه يريد أن يصمنى بأننى غير قادر على فهم ما يحدث».

التأثير النفسى

 ويتناول المؤلف التأثيرات المؤلمة على المسلمين بفعل «الإسلاموفوبيا» فيقول إنهم بناءً على تجارب يومية متكررة: سيتولد لديهم : شعور دائم بعدم الأمان - توتر نفسى متواصل - إحساس بالتهميش فى المجتمع - انعزال اجتماعى حتى فى المواقف العادية. هذه التأثيرات تتولّد ليس من حدث واحد، بل من تراكُم التحاملات اليومية الصغيرة التى لا تُرى فى كثير من الأحيان، لكنها تُشعر. 

التأثير الاجتماعى

عندما تُرسخ الفضاءات التعليمية، والإعلام، وسوق العمل، والمؤسسات الرسمية لممارسات متحيّزة، فإن ذلك يؤثر ليس فقط على الأفراد كأشخاص، بل على الصورة الاجتماعية للمسلمين كجالية، ويخلق فجوة فى الثقة بين هذه الجالية والمجتمع الأكبر. يقول أحد المسلمين «بعد سنوات من هذه التجارب(يقصد الإسلاموفوبيا) أجد نفسى أتجنّب الأماكن المزدحمة وأجلس فى ركن بعيد عندما أكون فى مقهى. أشعر أن الجميع يراقبنى» 

التداعيات الصحية

الدراسات الحديثة فى علم النفس تشير إلى أن التعرض المستمر للتحامل والتمييز مرتبط بارتفاع احتمالات: اضطرابات النوم - ارتفاع ضغط الدم - اضطرابات القلق المزمن - الإجهاد المزمن هذه ليست تفسيرات نظرية فحسب، بل نتائج مثبتة علميًا للتعرّض المستمر للخوف من الرفض أو الإقصاء المستمر.  

المواجهة والحلول

تعود أهمية ما يقدمه الكتاب إلى أنه لم يعرض فقط لتجليات الظاهرة» الإسلاموفوبيا»، ولكن يقدم للمسئولين فى بلاده مقترحات للتعامل مع الظاهرة. من هنا تأتى أهمية الكتاب أنه لم يركز على «الإسلاموفوبيا» العنيفة كحوادث قتل المسلمين فى المساجد أو الاعتداء الجسدى عليهم. وآخرها حادث قتل ثلاثة مسلمين أمام المركز الإسلامى فى سان دييجو بأمريكا، ولا يكتفى «هوبكنز» بوصف الظاهرة فقط، بل يقترح إستراتيجيات عملية لمواجهتها على مستويات مختلفة ـ من الفرد إلى المجتمع والسياسة ويطالب بها فى الفصل السادس من الكتاب على النحو التالي: 

   أولا- تغيير المناهج الإعلامية

يجب أن يسعى الإعلام إلى نقل صور متنوعة ومتوازنة عن المسلمين، بعيدًا عن ربط مفهوم «الإسلام» بالعنف أو التطرّف بشكل آلى. الإعلام له دور مركزى فى تفكيك الصور النمطية وإعادة بناء فهم واقعى للثقافات المختلفة. 

   ثانيا - التعليم والتوعية داخل المدارس

من الضرورى إدراج مناهج تعليمية تُعزّز الاعتراف بالاختلاف والتنوع، وتشرح للجميع أن الهوية الدينية أو الثقافية ليست مصدر تهديد، بل هى جزء من النسيج الاجتماعى.  

  ثالثا - تشريعات تحمى من التمييز

يجب أن تكون هناك آليات قانونية واضحة تحمى الأفراد من التمييز فى العمل والتعليم والخدمات العامة، وأن يتم تنفيذها بشكل فعال، لا مجرد وجود نصوص فى الكتب القانونية. إذ إن الدراسات الأكاديمية تشير إلى أن العنصرية ضد المسلمين لم تعد حادثة استثنائية، بل متجذرة فى المؤسسات والقوانين. 

  رابعا - بناء تحالفات مجتمعية واسعة

يتطلب التغيير تحالفات بين منظمات المجتمع المدنى، منظمات حقوق الإنسان، والجماعات الدينية والثقافية المختلفة؛ حتى لا يكون الحمل على عاتق المسلمين وحدهم. 

قضية سياسية

أخيرا يبين «هوبكنز» أن «الإسلاموفوبيا اليومية» ليست مجرد تجارب عابرة أو مواقف فردية يمكن تجاهلها. إنها نسيج اجتماعى مترابط من الممارسات والتحاملات والتمييز المؤسسى الذى يؤثر على كرامة الأفراد - يهدّد سلامتهم النفسية - يكرّس التمييز فى مؤسسات الدولة والمجتمع - يعيد إنتاج الخطاب العنصرى فى الإعلام والسياسة..

ويشدد هوبكنز فى كتابه على أن تجاهل هذا الواقع أو التهوين منه لن يجعل المشكلة تزول، بل سيؤدى إلى تآكل الثقة بين الجماعات المختلفة وسيضعف قدرة المجتمعات الديمقراطية على الاحتفاء بالتنوع كقيمة، لا كتهديد، فى النهاية، «الإسلاموفوبيا اليومية» ليست مجرد قضية تخص المسلمين، بل قضية أخلاقية وسياسية تؤثر فى جودة الحياة المشتركة لكل أفراد المجتمع. ومعالجة هذا التحدى تتطلب إرادة سياسية، تغييرًا ثقافيًا، وإعادة تعريف لما يعنيه أن نعيش فى مجتمع متعدد الثقافات بحقّ.

تغيير الضمير أولا

 ويصل «هوبكنز» فى خاتمة الكتاب إلى أن ما يعيشه المسلمون والمسلمات فى الغرب لا يمكن اختزاله فى أحداث فردية أو آراء متطرفة هنا أو هناك. إنه سياق يومى تكرّس فيه الممارسات والتحاملات - الكبيرة والصغيرة - فكرة أن المسلمين «مختلفون» أو «أقل قبولاً»، وهو ما يجعل «الإسلاموفوبيا اليومية» ظاهرة سياسية واجتماعية تحتاج إلى قراءة نقدية ومواجهة حقيقية.

إن التوعية الإعلامية، والتغييرات فى المناهج التعليمية، وإجراءات مكافحة التمييز الواضحة فى سوق العمل والمدارس، والحماية القانونية من المضايقات كلها عناصر ضرورية لكن غير كافية إن لم يتغير الضمير الاجتماعى العام أولاً.

وبينما تصدر الدول الغربية استراتيجيات رسمية لمواجهة كراهية المسلمين والعرب، فإن مواجهة «الإسلاموفوبيا اليومية» تستدعى إقراراً واقعياً بأن التمييز لا يزال يمس حياة المسلمين فى تفاصيلها اليومية.