ارتبطت مصر عبر قرون طويلة بتاريخ خدمة الحرمين الشريفين، حيث لعبت دورًا محوريًا في صناعة كسوة الكعبة المشرفة وتنظيم موكب المحمل المصري، الذي تحول إلى واحدة من أبرز المظاهر الدينية والاحتفالية في العالم الإسلامي.
وبين عبق التاريخ وروحانية الشعائر، لا تزال آثار هذا التراث العريق شاهدة على مكانة مصر الحضارية والفنية في خدمة الإسلام والمسلمين، من خلال ما حفظته المتاحف والمؤسسات الثقافية من مقتنيات نادرة توثق تلك الحقبة الاستثنائية.
◄ تقليد ديني وحضاري ارتبط بوجدان المصريين
أكد الباحث الأثري تامر المنشاوي أن كسوة الكعبة المشرفة والمحمل المصري يمثلان صفحة مضيئة في التاريخ الإسلامي لمصر، موضحًا أن القاهرة ظلت على مدار قرون مركزًا رئيسيًا لصناعة الكسوة وإرسالها إلى الأراضي المقدسة، في تقليد ديني وحضاري ارتبط بوجدان المصريين والعالم الإسلامي.

وأوضح أن صناعة الكسوة كانت تتم داخل دار الخرنفش، المعروفة باسم دار الكسوة الشريفة، والتي أنشئت في عهد محمد علي باشا، حيث أبدع الحرفيون المصريون في نسج الحرير الأسود وتطريزه بخيوط الذهب والفضة، في صورة تعكس ازدهار الفنون الإسلامية والحرف الدقيقة في مصر، مؤكدًا أن العاملين بهذه الدار تعاملوا مع الكسوة باعتبارها عملًا مقدسًا يجمع بين الفن والروحانية.
◄ قطع نادرة من كسوة الكعبة المشرفة
وأشار إلى أن المحمل الشريف لم يكن مجرد قافلة للحج، بل كان حدثًا احتفاليًا ضخمًا يحمل أبعادًا دينية وشعبية ورسمية، وكانت مصطبة المحمل أسفل قلعة صلاح الدين تمثل نقطة الانطلاق الرمزية للموكب، حيث تتجمع الجموع والعلماء وكبار رجال الدولة لتوديع القافلة وسط أجواء امتزجت فيها الهيبة بالروحانية والفرحة الشعبية.

وأضاف أن كثيرًا من الأجيال الجديدة لا تعرف حجم هذا التراث العظيم، رغم أن مصر احتفظت لقرون بشرف صناعة كسوة الكعبة وإرسالها إلى مكة المكرمة، مشددًا على أهمية الحفاظ على ما تبقى من مقتنيات الكسوة والمحمل داخل المتاحف والمؤسسات الثقافية باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية الحضارية المصرية.
ولفت إلى أن مكتبة الإسكندرية تضم قطعًا نادرة من كسوة الكعبة المشرفة، من بينها ستارة باب الكعبة التي تعود إلى القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى المحمل المصري، بما يعكس الدور التاريخي لمصر في صناعة الكسوة وإرسالها إلى الحجاز عبر موكب المحمل الشهير.

كما أوضح أن متحف المخطوطات داخل مكتبة الإسكندرية يحتوي على عدد من القطع النادرة الخاصة بكسوة الكعبة، بما يساهم في تعريف الأجيال الجديدة بهذا التراث الإسلامي الفريد وإبراز قيمته التاريخية والثقافية.
◄ السويس وطريق الحج البحري
وأشار إلى أن الجمعية الجغرافية المصرية تحتفظ بالمحمل الشريف، في حين يضم المتحف القومي للحضارة المصرية محملًا يعود إلى عصر الملك فؤاد الأول، إلى جانب آخر كسوة للكعبة أُرسلت في عهد جمال عبد الناصر، باعتبارها من القطع التاريخية النادرة التي توثق نهاية مرحلة مهمة من تاريخ المحمل المصري وعلاقته بالحرمين الشريفين.
اقرأ ايضا| «إحرام الكعبة».. طقس سنوي استعدادا لاستقبال ضيوف الرحمن

وأكد أن مدينة السويس ارتبطت تاريخيًا بطريق الحج البحري، وما تزال تحتفظ بذكريات ومقتنيات مرتبطة برحلات المحمل وقوافل الحج المصرية، باعتبارها إحدى أهم محطات انتقال الحجاج والكسوة إلى الأراضي المقدسة عبر البحر الأحمر.
كما أشار إلى وجود قطعة نادرة من كسوة الكعبة داخل متحف الزعيم جمال عبد الناصر، وهي القطعة التي أهداها الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، مؤكدًا أن هذه الهدية تحمل قيمة تاريخية ورمزية كبيرة وتعكس عمق العلاقات التاريخية بين مصر والمملكة العربية السعودية.
وأضاف أن متحف الأمير محمد علي بالمنيل يحتفظ بمقتنيات نادرة مرتبطة بالمحمل الشريف، من بينها الجمل الذي كان يحمل كسوة الكعبة خلال رحلتها إلى الحجاز، وهي من القطع الفريدة التي تجسد مكانة موكب المحمل في الذاكرة الشعبية المصرية.
◄ دور الهوية الحضارية المصرية في خدمة الحرمين
وأوضح كذلك أن المتحف الزراعي المصري يضم ضمن مقتنياته قطعة من كسوة الكعبة المشرفة، إلى جانب وجود جزء آخر من الكسوة داخل متحف بنك مصر المرتبط باسم طلعت حرب باشا.

وشدد الباحث الأثري تامر المنشاوي على أن الحفاظ على هذا التراث لا يقتصر على حماية مقتنيات أثرية فقط، بل يمثل حفاظًا على ذاكرة وطن بأكمله، وجزءًا أصيلًا من الهوية الحضارية المصرية التي لعبت دورًا بارزًا في خدمة الحرمين الشريفين وفي تشكيل الطقوس والمظاهر الاحتفالية المرتبطة بالحج عبر مئات السنين.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن توثيق تاريخ صناعة كسوة الكعبة في مصر والمحمل المصري ونشر الوعي بهما يمثل ضرورة ثقافية ووطنية، خاصة في ظل ما تتعرض له بعض المعالم التاريخية من اندثار، لأن هذا التراث لا يعد مجرد آثار أو مقتنيات قديمة، بل صفحات حية من التاريخ المصري والإسلامي يجب أن تبقى حاضرة في وجدان الأجيال القادمة.

مدينة الألف مئذنة.. هل تنضم "فُوة" إلى قائمة التراث العالمي؟
أبعاد صحية واقتصادية.. تحليل علمي يكشف أسرار "الحبة الكاملة"
قمة السبع تفتح أبوابها لمصر.. تقدير دولي لقيادة السيسي وثقل القاهرة الإقليمي





