أما بعد

ماذا فعل «عبد اللطيف» فى وزارة التعليم؟

أحمد باشا
أحمد باشا


لم يكن التعليم فى مصر يومًا مجرد فصول دراسية وكتب توزع على التلاميذ، بل كان - عبر التاريخ - مشروع دولة، ومرآة أمة، وساحة المعركة الحقيقية بين التقدم والتراجع. لذلك، فإن ما تشهده المنظومة التعليمية المصرية اليوم لا يمكن اختزاله فى أرقام جامدة أو مؤشرات بيروقراطية، بل هو محاولة جادة لإعادة بناء العقل المصرى بعد سنوات طويلة من التآكل الصامت.

تقرير منظمة اليونيسف الأخير، الذى عُرض خلال مؤتمر «استشراف مستقبل مصر فى التعليم» بحضور الدكتور مصطفى مدبولى، لم يكن مجرد إشادة دولية عابرة، بل شهادة موثقة بأن قطار الإصلاح التعليمى فى مصر بدأ يتحرك بالفعل فوق القضبان الصحيحة، مهما كانت التحديات، ومهما طال الطريق.

فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من طرق وكبارى ومدن جديدة، بل بما تصنعه داخل الفصل الدراسى، حيث يتشكل وعى الأجيال القادمة. ومن هنا تكتسب الأرقام التى كشف عنها التقرير دلالتها العميقة؛ إذ انخفضت نسبة الطلاب الذين يعانون من ضعف مهارات القراءة والكتابة من 45.5% خلال المرحلة الأولى من البرنامج إلى 13.9% فقط فى المرحلة الثالثة. وبين الرقمين، تقف قصة عمل شاق، وإدارة ميدانية، وإصرار على انتشال المدرسة المصرية من سنوات الغياب والازدحام والفوضى.

اللافت أن التحسن لم يكن نظريًا أو دعائيًا، بل انعكس على مؤشرات ملموسة. الحضور المدرسى، الذى كان قد تراجع إلى حدود 15% فى بعض الفترات، قفز إلى 87%، فى تحول يكشف أن المدرسة استعادت جزءًا معتبرًا من هيبتها ووظيفتها. كما تراجعت كثافات الفصول من متوسط 63 طالبًا إلى نحو 41 طالبًا فقط، بعد إعادة تأهيل عشرات الآلاف من الفراغات داخل المدارس وتحويلها إلى فصول حقيقية تصلح للتعليم، لا مجرد مخازن بشرية مكتظة.

وفى قلب هذه المعركة، كان المعلم حاضرًا بوصفه حجر الأساس فى أى إصلاح جاد. سد العجز فى المعلمين، وتدريب عشرات الآلاف منهم، والتوسع فى التعيينات، كلها خطوات أعادت للمنظومة شيئا من توازنها المفقود. فالتعليم لا يُصلح بالشعارات، وإنما بمعلم قادر، وفصل منضبط، ومنهج حديث، وبيئة تسمح للتلميذ بأن يتعلم لا أن ينجو فقط من الزحام.

ولا يمكن تجاهل الدور الذى لعبته المتابعة الميدانية المستمرة التى قادها وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، عبر مئات الزيارات للمدارس، فى ترسيخ فكرة أن الإدارة التعليمية لم تعد تُدار من خلف المكاتب المكيفة وحدها، بل من قلب الميدان ذاته.

صحيح أن الطريق ما زال طويلًا، وأن تحديات التعليم فى دولة بحجم مصر لا تُحل بين ليلة وضحاها، لكن الأهم أن هناك اتجاهًا واضحًا نحو الإصلاح، وإرادة سياسية لا تبدو مستعدة للتراجع. فبناء الإنسان أصعب كثيرًا من بناء الحجر، لكنه الاستثمار الوحيد القادر على حماية مستقبل الأمم.

وربما تكون القيمة الأهم فى تقرير اليونيسف أنه لم يوزع شهادات المجاملة، بل قدم اعترافًا أمميًا بأن مصر بدأت تستعيد المدرسة، وتعيد معها الأمل فى أن يصبح التعليم مرة أخرى بوابة حقيقية للنهضة، لا مجرد محطة عبور إلى شهادة بلا معرفة.