منزل تحول إلى ذاكرة خالدة.. حكاية متحف ماريا سكلودوفسكا كوري في وارسو

متحف ماريا سكلودوفسكا كوري
متحف ماريا سكلودوفسكا كوري


في أحد شوارع المدينة القديمة بالعاصمة البولندية وارسو، يقف منزل تاريخي بسيط تحول مع الزمن إلى واحد من أهم المتاحف العلمية والسيرية في أوروبا، إنه متحف ماريا سكلودوفسكا كوري الذي يحفظ تفاصيل حياة العالمة الأشهر في التاريخ الحديث، المرأة التي غيرت مفهوم العلم والإشعاع والطب، ودفعت حياتها ثمناً لاكتشافاتها.

ولا يروي المتحف فقط قصة الإنجازات العلمية لماري كوري، بل يكشف أيضاً جانباً إنسانياً عميقاً من حياتها الشخصية، منذ طفولتها في بولندا وحتى تحولها إلى رمز عالمي للعلم والكفاح النسائي والإنساني.

ويقع المتحف داخل المنزل الذي ولدت فيه ماريا سكلودوفسكا عام 1867 بشارع فريتا في وارسو، وهو منزل يعود للقرن الثامن عشر وكان في الأصل جزءاً من مدرسة داخلية للبنات كانت تديرها والدتها برونيسلافا سكلودوفسكا. 

كيف تحولت أكلات وارسو إلى ذاكرة حيّة تحكي تاريخ بولندا؟

ويعد المتحف السيري الوحيد في العالم المخصص بالكامل لحياة وإنجازات ماري كوري.

فكرة إنشاء متحف يخلد ذكرى ماري كوري

وتكشف الوثائق التاريخية، أن فكرة إنشاء متحف يخلد ذكرى ماري كوري ظهرت قبل الحرب العالمية الثانية، بعدما بدأت شقيقتاها في جمع مقتنياتها الشخصية ورسائلها العلمية وصورها النادرة تمهيداً لإنشاء متحف خاص بها داخل معهد الراديوم في وارسو، لكن اندلاع الحرب دمّر جزءاً كبيراً من هذه المقتنيات. 

وخلال انتفاضة وارسو عام 1944 تعرض المنزل الأصلي للتدمير الكامل على يد القوات الألمانية، ضمن عمليات التدمير الواسعة التي طالت المدينة القديمة، غير أن اللوحة التذكارية التي كانت مثبتة على المنزل منذ عام 1932 نجت من الدمار، لتصبح لاحقاً رمزاً لإحياء المكان من جديد. 

وبعد انتهاء الحرب أُعيد بناء المبنى بين عامي 1951 و1954 وفق تصميمه التاريخي القديم، ليعود مرة أخرى شاهداً على ميلاد واحدة من أعظم الشخصيات العلمية في العالم. 

وافتتح المتحف رسمياً في 16 أكتوبر عام 1967 تزامناً مع الاحتفال بمرور مئة عام على ميلاد ماري كوري، بحضور ابنتها الصغرى إيف كوري وزوجها الدبلوماسي الأمريكي هنري لابويس، إضافة إلى عدد من الحاصلين على جائزة نوبل الذين شاركوا في الاحتفالية العلمية الكبرى التي أقيمت وقتها في وارسو.

ويضم المتحف مجموعة ضخمة من المقتنيات الأصلية المرتبطة بحياة ماري كوري، من بينها رسائلها الشخصية، وصورها العائلية، ووثائقها العلمية، ودفاتر ملاحظاتها المكتوبة بخط يدها.

إلى جانب أدوات وتجهيزات معملية استخدمتها خلال أبحاثها المتعلقة بالنشاط الإشعاعي، كما يحتوي على مقتنيات نادرة تعكس حياتها اليومية، من بينها حقيبة جلدية أهديت لها أثناء جمع التبرعات لإنشاء معهد الراديوم، وتمثال صغير على هيئة فيل حصلت عليه خلال زيارتها للولايات المتحدة الأمريكية. 

ويخصص المتحف قاعات كاملة لعرض مراحل تطور أبحاثها العلمية مع زوجها العالم الفرنسي بيير كوري، والتي أسفرت عن اكتشاف عنصري البولونيوم والراديوم، وهما الاكتشافان اللذان غيّرا تاريخ الفيزياء والكيمياء والطب الحديث.

كما يعرض المتحف نماذج معاد بناؤها لمختبرها في باريس والأجهزة التي استخدمتها في قياس الإشعاع. 

ومن أبرز ما يلفت الانتباه داخل المتحف أن اسم عنصر "البولونيوم" لم يكن اختياراً علمياً فقط، بل كان رسالة وطنية من ماري كوري إلى بلدها بولندا التي كانت واقعة تحت الاحتلال آنذاك، حيث أصرت على تخليد اسم وطنها داخل الجدول الدوري للعناصر، في موقف عكس ارتباطها العاطفي العميق بجذورها البولندية رغم انتقالها إلى فرنسا.

«حكاية وارسو» المدينة التي هزمَت الحرب وكتبت أعظم معجزة عمرانية في بولندا

متحف ماريا سكلودوفسكا كوري 

كما يسلط المتحف الضوء على دور ماري كوري الإنساني خلال الحرب العالمية الأولى، حين ساهمت في تطوير وحدات الأشعة المتنقلة لعلاج الجنود المصابين، وهو الدور الذي جعلها واحدة من أوائل العلماء الذين نقلوا الاكتشافات العلمية من المختبر إلى خدمة الإنسان بشكل مباشر.

ولا يقتصر دور المتحف على عرض المقتنيات فقط، بل تحول إلى مركز ثقافي وتعليمي ينظم الندوات والمحاضرات والأنشطة العلمية المرتبطة بتاريخ العلوم والكيمياء والفيزياء، إضافة إلى برامج مخصصة للأطفال والطلاب للتعريف بسيرة ماري كوري وإسهاماتها العلمية.

كما يواصل المتحف التعاون مع أفراد من عائلة كوري والباحثين المهتمين بتاريخها العلمي والإنساني. 

ورغم أن ماري كوري رحلت عام 1934 بعد سنوات طويلة من التعرض للإشعاع، فإن متحفها في وارسو ما زال حتى اليوم يحكي قصة امرأة بدأت حياتها وسط ظروف صعبة، وعاشت الفقد والوحدة، لكنها استطاعت أن تصبح رمزاً عالمياً للعلم والإصرار والتضحية.

فهذا متحف ماريا سكلودوفسكا كوري لا يقدم فقط سيرة عالمة عظيمة، بل يوثق رحلة إنسانية كاملة لامرأة تحدت القيود الاجتماعية والسياسية والعاطفية، ونجحت في ترك إرث علمي ما زال ينقذ ملايين البشر حول العالم حتى الآن.