قبل سنوات طويلة من هيمنة الهواتف الذكية ومقاطع الفيديو القصيرة على أوقات الأطفال، كانت ألعاب الطاولة تحتل مكانة خاصة داخل البيوت، وتحول تجمعات العائلة إلى لحظات مليئة بالحماس والضحك والتنافس، وبين هذه الألعاب، ظلت لعبة السلم والثعبان واحدة من أكثر الألعاب شعبية، رغم ما تحمله من مفاجآت حيث يمكن للاعب أن يقترب من الفوز في لحظة، قبل أن يسقطه ثعبان فجأة إلى نقطة البداية.
ورغم شهرتها كلعبة ترفيهية للأطفال، فإن كثيرين لا يعرفون أن جذور اللعبة تعود إلى الهند القديمة، حيث لم تكن مجرد وسيلة للتسلية، بل أداة تعليمية تحمل معاني فلسفية وروحية عميقة تتعلق بالأخلاق والمصير والكارما والتحرر الروحي.
لعبة هندية قديمة تحمل فلسفة الحياة
تعرف النسخة الأصلية من اللعبة باسم موكشا باتام أو موكشابات، ويعود تاريخها، وفق بعض الروايات، إلى القرن الثاني قبل الميلاد أو القرن الثاني الميلادي، بينما ينسب آخرون انتشارها إلى الشاعر والقديس الهندي جيانديف، المعروف أيضًا باسم دنيانيشوار، في القرن الثالث عشر.
وكلمة موكشا في الفلسفة الهندوسية تعني التحرر، بينما تعني باتام اللوح أو اللعبة، ليصبح المعنى الكامل «لعبة التحرر»، في إشارة إلى رحلة الإنسان بين الخير والشر حتى يصل إلى الخلاص الروحي.
السلالم فضائل
لم تكن السلالم والثعابين مجرد رسومات عشوائية، بل حمل كل عنصر فيها دلالة أخلاقية واضحة، فالسلالم كانت ترمز إلى الفضائل مثل:
التواضع، الكرم، الحكمة، الإيمان، اللطف.
أما الثعابين فكانت تمثل الرذائل مثل:
الجشع، الغرور، الكذب، الغضب، الشهوة، والسرقة.
وكان الهدف من اللعبة تعليم الأطفال أن الأعمال الجيدة ترفع الإنسان، بينما تؤدي التصرفات السيئة إلى السقوط والتراجع.
أرقام تحمل معاني روحية
احتوت النسخ القديمة من اللعبة على مربعات مرتبطة بمعان فلسفية محددة؛ فالمربع 12 كان يرمز إلى الإيمان، و57 إلى الكرم، و76 إلى المعرفة، بينما ارتبط المربع 95 بالكبرياء، في حين مثل الرقم 99 الشهوة، ليجد اللاعب نفسه قريبا جدا من الفوز قبل أن يسقط مرة أخرى، في محاكاة رمزية لتقلبات الحياة.
أما المربع رقم 100، فكان يمثل الموكشا، أي التحرر الكامل من دورة الميلاد والمعاناة في الفلسفة الهندوسية.
لماذا كانت الثعابين أكثر من السلالم؟
من أكثر التفاصيل اللافتة في اللعبة الأصلية أن عدد الثعابين كان أكبر من عدد السلالم، وهو أمر لم يكن عشوائيًا، بل يعكس فكرة فلسفية ترى أن الالتزام بالفضيلة أصعب بكثير من الوقوع في الإغراءات والأخطاء.
من الهند إلى بريطانيا ثم أمريكا
خلال الحقبة الاستعمارية في القرن التاسع عشر، انتقلت اللعبة إلى المملكة المتحدة، حيث أعاد البريطانيون تقديمها تحت اسم السلالم والثعابين، لكنهم أزالوا الكثير من رموزها الروحية، واستبدلوها بقيم العصر الفيكتوري مثل:
الانضباط، التوفير، الطاعة، والالتزام بالمواعيد، كما قاموا بتخفيف قسوة اللعبة عبر تحقيق توازن أكبر بين عدد السلالم والثعابين.
وفي عام 1943، وصلت اللعبة إلى الولايات المتحدة، التي رأت أن الثعابين قد تبدو مخيفة للأطفال، فاستبدلتها بـ الزلاقات الموجودة في الملاعب، لتتحول اللعبة إلى النسخة المعروفة حاليًا باسم «السلالم والزلاقات».
اللعبة ما زالت حاضرة حتى اليوم
ورغم مرور قرون على ظهورها، لا تزال اللعبة تمارس في الهند بأشكال مختلفة، خاصة في جنوب البلاد، حيث تعرف بأسماء مثل «فايكونتابالي»، كما تمتلك بعض الطوائف الدينية نسخا خاصة ذات طابع روحاني مختلف.
ولا يزال الباحثون والمؤرخون يدرسون الألواح القديمة للعبة لفهم نظرة المجتمعات القديمة إلى الأخلاق والمصير، بل إن بعض الدراسات الحديثة استخدمت محاكاة رياضية لتحليل كيفية توازن الفضائل والرذائل داخل تصميم اللعبة.

القومي لحقوق الإنسان والأمم المتحدة يبحثان توسيع الشراكة في المرحلة المقبلة
القومي لحقوق الإنسان يناقش تعديلات قانون تنظيم عمله ويؤكد أهمية تعزيز الاستقلالية المؤسسية
ليس الدايت وحده.. 4 مفاتيح نفسية تحول خسارة الوزن إلى عادة دائمة





