العراق.. عقبات تواجه الحكومة الجديدة

البرلمان العراقى انعقد للموافقة على الحكومة الجديدة برئاسة على الزيدى
البرلمان العراقى انعقد للموافقة على الحكومة الجديدة برئاسة على الزيدى


سميحة شتا
 

دخل العراق مرحلة سياسية وأمنية بالغة الحساسية بعد منح البرلمان الثقة الجزئية لحكومة رئيس الوزراء الجديد على الزيدى، فى وقت تتصاعد فيه أزمة أمنية خطيرة مرتبطة بتقارير عن وجود قاعدة إسرائيلية سرية فى صحراء النخيب استخدمت خلال الحرب الأخيرة على إيران.

وبينما كان يفترض أن يشكل التصويت البرلمانى بداية لإنهاء أشهر من الانسداد السياسى، تحولت قضية القاعدة المزعومة إلى عامل ضغط إضافى يهدد بتعقيد مهمة الحكومة الجديدة ويضع بغداد أمام اختبار صعب يتعلق بالسيادة والتوازنات الإقليمية ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة والفصائل المسلحة المدعومة من إيران.

وأدى على الزيدى اليمين الدستورية رئيساً للوزراء بعد أن تمكن البرلمان العراقى من تمرير جزء من تشكيلته الوزارية فقط، فى مشهد يعكس استمرار الانقسام بين القوى السياسية وعدم التوصل إلى توافق شامل حول الحقائب السيادية.

وذكرت وكالة «رويترز» أن البرلمان وافق على 14 وزيراً من أصل 23، بينما بقيت وزارات أساسية مثل الداخلية والدفاع معلقة بسبب الخلافات الحادة بين الكتل السياسية. وقال النائب مقداد الخفاجى إن تسع وزارات ما زالت قيد التفاوض، بينما فشلت بعض الترشيحات فى نيل ثقة البرلمان، ما أظهر حجم التباينات داخل الإطار الحاكم نفسه.

وتأتى ولادة الحكومة الجديدة بعد أشهر طويلة من الجمود السياسى الذى تفاقم مع تصاعد الضغوط الأمريكية على القوى الشيعية الحاكمة. وكان ترشيح الزيدى قد جاء عقب استخدام واشنطن حق النقض ضد عودة رئيس الوزراء الأسبق نورى المالكى، بحسب تقارير سياسية عراقية وغربية، وهو ما دفع «الإطار التنسيقى» إلى البحث عن شخصية أقل إثارة للجدل وقادرة على الحفاظ على التوازن بين النفوذين الأمريكى والإيرانى داخل العراق. كما لعبت واشنطن دوراً واضحاً فى دعم الزيدى، إذ أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى اتصال هاتفى دعمه القوى لرئيس الوزراء الجديد بعد تكليفه رسمياً بتشكيل الحكومة.

لكن الزيدى، الذى يعد أصغر رئيس وزراء عراقى منذ 2003، وجد نفسه منذ اللحظة الأولى أمام تحديات تتجاوز تشكيل الحكومة. فالعراق يعيش توتراً إقليمياً غير مسبوق بعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، والتى تحولت خلالها الأراضى العراقية إلى ساحة اشتباك غير مباشر بين الطرفين. وتتهم واشنطن الفصائل المسلحة العراقية المدعومة من طهران بتنفيذ مئات الهجمات ضد القواعد والمصالح الأمريكية خلال فترة الحرب، بينما تؤكد تلك الفصائل أن العراق لا يمكن أن يبقى بمنأى عن المواجهة طالما استخدمت أراضيه وأجواؤه لدعم العمليات ضد إيران.

وفى خضم هذا المشهد المضطرب، فجّرت تقارير صحفية إسرائيلية وأمريكية أزمة جديدة بعدما تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن وجود قاعدة إسرائيلية سرية فى صحراء النخيب الواقعة بين الأنبار والنجف، استخدمت مركزاً لوجستياً لدعم العمليات الجوية الإسرائيلية ضد إيران. ووفقاً للتقرير، فإن القاعدة أنشئت بعلم الولايات المتحدة، وضمت تجهيزات لوجستية ومهابط مؤقتة للمروحيات وطواقم إنقاذ جوى ومعدات دعم استخبارية.

رأت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية أن التحركات العسكرية العراقية الأخيرة فى صحراء النجف والأنبار جاءت فى إطار محاولة لاحتواء الغضب الشعبى والسياسى الناتج عن التسريبات المتعلقة بالقاعدة. وأشارت الصحيفة إلى أن قوات الحشد الشعبى والجيش العراقى دفعت بتعزيزات واسعة نحو المنطقة لإظهار قدرتها على فرض السيطرة على الحدود والمناطق الصحراوية بعد تزايد الاتهامات بوجود تحركات أجنبية بعيدة عن رقابة الدولة.

وبحسب بيانات عراقية رسمية، شملت العمليات انتشار قوات من الحشد الشعبى والجيش على مساحات واسعة تمتد حتى معبر عرعر الحدودى مع السعودية. وقال رئيس أركان قيادة عمليات الفرات الأوسط فى الحشد الشعبى سجاد الأسدى إن الهدف من العملية هو «فرض السيطرة الكاملة على الصحراء وتأمين الحدود»، بينما أكدت خلية الإعلام الأمنى أن القوات لم تعثر على أى وجود أجنبى أو معدات عسكرية خلال عمليات التفتيش.
غير أن النفى الحكومى لم ينجح فى إنهاء الجدل، بل زاد من حجم الشكوك داخل الأوساط السياسية.

فقد نقلت وكالة «شفق نيوز» عن النائب شاكر أبوتراب التميمى، المنتمى إلى منظمة بدر، قوله إن القاعدة «لا تزال موجودة» وإن القوات العراقية مُنعت سابقاً من الاقتراب منها، واصفاً القضية بأنها «فضيحة أمنية خطيرة». كما طالب عدد من النواب بفتح تحقيق شامل واستدعاء قيادات عسكرية وأمنية لمعرفة حقيقة ما جرى فى صحراء النخيب، وكيف أمكن لقوة أجنبية التحرك داخل الأراضى العراقية دون كشفها.

وسرعان ما تحولت القضية إلى محور صراع سياسى داخلى بين القوى المقربة من إيران والقوى الساعية للحفاظ على التوازن مع واشنطن. فالفصائل المسلحة اعتبرت أن ما جرى يؤكد صحة اتهاماتها بأن الوجود الأمريكى فى العراق لم يعد يقتصر على مكافحة تنظيم «داعش»، بل تحول إلى مظلة لتحركات إسرائيلية داخل البلاد.

واتهم النائب السابق رائد المالكى الولايات المتحدة بتسهيل استخدام الأجواء العراقية خلال الحرب ضد إيران، معتبراً أن تعطيل الدفاعات والرادارات العراقية يمثل «خرقاً خطيراً للسيادة».

فى المقابل، حاولت الحكومة العراقية تبنى خطاب أكثر حذراً، فهى لم تنف وقوع تحركات عسكرية غامضة أو حدوث الهجوم الذى استهدف القوة العراقية فى مارس، لكنها تجنبت تأكيد وجود قاعدة إسرائيلية دائمة. ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس إدراك بغداد لحساسية المواجهة مع واشنطن فى توقيت لا تزال فيه الحكومة الجديدة هشة وغير مكتملة، كما أن العراق لا يزال يعتمد على الدعم الأمريكى فى ملفات اقتصادية وأمنية معقدة.

التقارير الإسرائيلية زادت من تعقيد المشهد. فقد تحدثت صحيفة «معاريف» عن أن القاعدة ضمت وحدات كوماندوز إسرائيلية ومركزاً طبياً متقدماً وطواقم إنقاذ للطائرات التى قد تتعرض للاستهداف داخل إيران.

كما قالت إن الرقابة العسكرية الإسرائيلية فرضت تعتيماً على المعلومات المتعلقة بالموقع قبل السماح بنشرها لاحقاً بعد ظهور تقارير أمريكية.

كما تداولت منصات استخبارات مفتوحة المصدر صور أقمار صناعية قالت إنها أظهرت وجود مدرج مؤقت وخيام ومواقع مروحيات ومركبات دعم فى منطقة قريبة من النخيب.

وأشارت تحليلات نشرها موقع «فايتوكس» إلى أن الموقع أنشئ فى بداية مارس ثم اختفى لاحقاً نتيجة العواصف الرملية والأمطار، ما عزز فرضية أنه كان قاعدة عمليات مؤقتة مرتبطة بالحرب على إيران.

وأحرجت هذه التسريبات المؤسسة الأمنية العراقية بشكل غير مسبوق، لأن القضية لا تتعلق فقط بوجود قوة أجنبية، بل بقدرتها على التحرك فى عمق الأراضى العراقية وتنفيذ عمليات عسكرية ثم الانسحاب دون رد واضح.

ويخشى مراقبون أن تتحول هذه القضية إلى ورقة تستخدمها الفصائل المسلحة لتبرير استمرار نفوذها العسكرى والضغط باتجاه إخراج القوات الأمريكية من العراق، خاصة أن الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران أعادت إحياء خطاب «المقاومة» داخل الساحة العراقية. وفى المقابل، تدرك القوى الأقرب إلى واشنطن أن أى تصعيد ضد الوجود الأمريكى قد يهدد الاستقرار الاقتصادى والسياسى الهش، خصوصاً فى ظل حاجة العراق إلى الاستثمارات والدعم المالى والتعاون الأمنى.

وتزداد خطورة المشهد لأن العراق يقف اليوم فى قلب الصراع الإقليمى بين إيران وإسرائيل. فموقعه الجغرافى جعله خلال السنوات الماضية ممراً ومسرحاً لعمليات متبادلة، سواء عبر استهداف قواعد أمريكية من قبل الفصائل المسلحة أو عبر استخدام أجوائه فى الهجمات الجوية الإقليمية. ويرى خبراء أمنيون أن المناطق الصحراوية الغربية، بحكم طبيعتها الجغرافية وقلة السكان فيها، توفر بيئة مثالية لإنشاء قواعد مؤقتة ومراكز عمليات سرية، وهو ما يفسر تصاعد الجدل حول صحراء النخيب.

ومع استمرار الضغوط البرلمانية والشعبية لكشف تفاصيل القضية، تتحول أزمة «القاعدة السرية» إلى اختبار حقيقى لمستقبل الدولة العراقية نفسها. فالعراق لا يواجه فقط أزمة حكومة ناقصة أو اختراقاً أمنياً عابراً، بل يواجه سؤالاً أعمق يتعلق بقدرته على استعادة قراره السيادى وسط شبكة معقدة من النفوذ الإقليمى والدولى، وفى لحظة إقليمية قد تجعل أى خطأ سياسى أو أمنى شرارة لأزمة أكبر تتجاوز حدود بغداد نفسها.