بين أروقة المتحف المصري بالقاهرة، تروي القطع الأثرية حكايات ملوك وكهنة وكبار رجال الدولة الذين صنعوا ملامح الحضارة المصرية القديمة، ومن بين هذه الكنوز يبرز صندوق تماثيل الأوشابتي الخاص بالمدعو "باخرو"، كواحد من الشواهد النادرة التي تجمع بين الفن والعقيدة والسلطة الإدارية في عصر الدولة الحديثة.
القطعة لا تكشف فقط عن طقوس العالم الآخر ومعتقدات المصري القديم حول الخلود، بل تسلط الضوء أيضًا على مكانة أحد كبار المسؤولين المرتبطين بمعبد آمون، في فترة كانت فيها المناصب الدينية والإدارية تمثل قمة النفوذ والقوة داخل المجتمع المصري القديم.
◄ قيمة تاريخية واجتماعية
يعرض المتحف المصري بالقاهرة قطعة أثرية مميزة تتمثل في صندوق تماثيل الأوشابتي الخاص بالمدعو "باخرو"، أحد كبار المسؤولين في عصر الدولة الحديثة، والذي شغل منصبًا بالغ الأهمية داخل المؤسسة الدينية والإدارية في مصر القديمة.

وتحمل هذه القطعة قيمة تاريخية واجتماعية كبيرة، إذ توثق المكانة الرفيعة التي تمتع بها باخرو، والذي حمل لقب "كبير نجارين أملاك المعبود آمون"، وهو منصب لم يكن مجرد وظيفة حرفية، بل مسؤولية قيادية كبرى داخل منظومة معابد آمون، حيث كان المشرف الأول على جميع الأعمال الخشبية المتعلقة بالمعبد، بما في ذلك تجهيز الأثاث الديني والمراكب المقدسة والاحتياجات المعمارية والطقسية المختلفة.
ويعكس هذا المنصب حجم النفوذ الذي تمتع به باخرو في ذلك العصر، خاصة أن معابد آمون خلال الدولة الحديثة كانت تمثل مراكز دينية واقتصادية وإدارية شديدة التأثير، وكان العاملون في المناصب العليا بها يحظون بمكانة اجتماعية كبيرة داخل المجتمع المصري القديم.
◄ استمرار الحياة بعد الموت!
وتبرز الأهمية العقائدية للصندوق في كونه جزءًا من الأدوات الجنائزية التي كانت ترافق المتوفى داخل المقبرة، في إطار المعتقدات المصرية القديمة المرتبطة بالحياة الأخرى وفكرة الخلود. فقد اعتقد المصري القديم أن تماثيل "الأوشابتي"، والتي تعرف أيضًا باسم "المجيبة"، ستقوم نيابة عن المتوفى بأداء الأعمال الشاقة أو الزراعية التي قد يُطلب منه تنفيذها في العالم الآخر.
ومن خلال هذا التصور العقائدي، سعى كبار رجال الدولة والنبلاء إلى ضمان حياة أبدية مريحة يسودها الاستقرار والرفاهية، حيث تقوم تماثيل الأوشابتي مقامهم في أداء أي مهام أو أعمال، وهو ما يعكس عمق الإيمان المصري القديم بفكرة استمرار الحياة بعد الموت، وحرص الإنسان المصري على توفير كل وسائل الراحة والسكينة الأبدية.
أما من الناحية الفنية، فيُعد الصندوق نموذجًا مميزًا للفن الجنائزي في عصر الرعامسة، إذ يحمل نقوشًا دقيقة توضح هوية صاحبه ومكانته الاجتماعية.
◄ معتقدات جنائزية في مصرية القديمة
ويظهر باخرو مرتديًا الملابس الفاخرة المميزة لكبار المسؤولين في عصر الدولة الحديثة، في مشهد يعكس الهيبة والمكانة التي كان يتمتع بها داخل المجتمع. كما تُصوره النقوش في وضعية تعبد وخشوع أمام مائدة القرابين، وهي من أبرز المشاهد الفنية المرتبطة بالمعتقدات الجنائزية المصرية القديمة، والتي كانت ترمز إلى التواصل الروحي بين المتوفى والآلهة، وطلب البركة والحياة الأبدية في العالم الآخر.
اقرأ ايضا| حكايات من المتحف المصري.. رأس أمنحتب الثالث شاهد على عصر الذهب
وتكشف هذه المشاهد عن البعد الروحي العميق الذي ميز الحضارة المصرية القديمة، حيث امتزج الفن بالعقيدة في صياغة أعمال تحمل دلالات دينية وإنسانية وثقافية بالغة الأهمية.

وتعود هذه القطعة الأثرية النادرة إلى عصر الرعامسة، وتحديدًا الأسرة العشرين، وقد تم اكتشافها في جبانة العساسيف بالأقصر، وهي واحدة من أهم الجبانات التي تضم مقابر كبار رجال الدولة والكهنة والنبلاء في طيبة القديمة.
ويظل صندوق الأوشابتي الخاص بباخرو شاهدًا حيًا على عبقرية المصري القديم في الجمع بين الفن والدين والإدارة، كما يعكس مستوى الرقي الحضاري الذي وصلت إليه مصر القديمة في مختلف جوانب الحياة، بداية من التنظيم الإداري والديني، وصولًا إلى المعتقدات الجنائزية والفنون الدقيقة التي ما زالت تبهر العالم حتى اليوم.

عربة عمرها 3 آلاف عام ما زالت تحير العلماء.. ما سر عربة يويا؟
"خبيئة بانحسي".. حين تحدثت مرآة الكاهنة وأسرار الذهب من أعماق هليوبوليس
حكاية الأواني الملونة.. فن يروي أناقة مصر القديمة






