فجأة، وبدون أي مقدمات، هاجمني المرض كعاصفة لا تنذر بقدومها؛ ارتفعت حرارتي بصورة مرعبة، وتسلل الألم إلى جسدي كله حتى شعرت أن عظامي تتكسر، وأن ساقي لم تعودا قادرتين على حملي، كأن قطارًا مر فوقهما وترك داخلي وجعًا لا يوصف.
كنت وحدي، ولم يكن الصمت حولي مجرد هدوء عابر، بل كان مساحة شاسعة من الخوف.. كل دقيقة تمر تثقل روحي أكثر، وكل رعشة ألم كانت تأتي ومعها سؤالًا مرعبًا:
ماذا لو ساءت حالتي أكثر؟
ماذا لو حدث لي شيء الآن، وأنا وحدي تمامًا؟
من سيشعر بي؟
ومن سيعرف أنني كنت أقاوم خوفي بصعوبة؟
لم أخف من المرض بقدر ما خفت من فكرة أقسى بكثير؛ أن أواجه لحظة ضعفي وحدي،
أن أموت دون أن ينتبه أحد لغيابي، دون يد تمتد لتطمئنني، أو صوت يخبرني أنني سأكون بخير.
ثم جاءت صديقتي، وكأن الله أرسل لي طمأنينة على هيئة إنسان؛ أعدت لي الطعام، ووضعت الكمادات فوق رأسي بحنان، ونزلت لتشتري الدواء دون تردد، وظلت طوال الليل تراقبني بعين قلقة وقلب حاضر.
كانت تدخل بين الحين والآخر لتطمئن أنني ما زلت بخير، وحتى وأنا غارقة بين النوم والتعب، كنت أشعر بوجودها حولي؛ وجود يشبه الأمان، يشبه النجاة.
لم تكن تفعل أشياء عظيمة في ظاهرها، لكنها بالنسبة لي كانت تفعل كل شيء، كانت تخفف عني رعب الوحدة، وترمم خوفي بصمت.
وفي تلك الليلة أدركت شيئًا لن أنساه أبدًا:
أن الألم ليس أقسى ما قد يمر به الإنسان، بل أن يتألم وحيدًا هو الأقسى.
وأدركت أيضًا أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا صدفة، بل يأتون كرحمة خفية، كسند في اللحظة التي نظن فيها أننا على وشك السقوط، وكيد تربت على قلوبنا حين يعجز العالم كله عن تهدئتها.
يمكن أكثر ما كشفه لي المرض في تلك الليلة، هو أننا كثيرًا ما نمر على نعمة الصحة وكأنها أمر عادي، لا نشعر بقيمتها إلا حين تسحب منا فجأة.
نستيقظ كل يوم، نتحرك، نمشي، نضحك، وننجز تفاصيلنا الصغيرة دون أن نفكر ولو للحظة أن القدرة على الوقوف وحدها نعمة، وأن النوم دون ألم رحمة عظيمة.
في ساعات قليلة فقط، تحول كل شيء بسيط كنت أفعله يوميًا إلى أمنية؛ أن أستطيع الوقوف دون وجع، أن تهدأ حرارة جسدي، أن أنام دون ألم يوقظني كل دقيقة.
حينها أدركت أن الصحة ليست شيئًا عابرًا نملكه، بل نعمة تستحق الحمد في كل يوم، حتى في الأيام التي نظنها عادية جدًا.
مرت الليلة، وتعافى الجسد تدريجيًا، لكن ما بقي بداخلي لم يكن الحمى، ولا الوجع، بل الامتنان.
الامتنان لأنني، في أكثر لحظاتي ضعفًا وخوفًا، لم أكن وحدي.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







