في رحلة عبر التاريخ والجغرافيا ومسارات الأنبياء، سلطت محاضرة "سيناء أرض الفيروز ومسارات الأنبياء" الضوء على الكنوز الأثرية والدينية التي تحتضنها أرض سيناء، مؤكدة أهمية استثمار هذا الإرث الحضاري الفريد في دعم السياحة الثقافية والروحية بمصر.
وشهدت الندوة، التي جاءت ضمن مبادرة "عظمة وجلال مصر" بمدينة طور سيناء، طرح عدد من المقترحات المهمة لتطوير وترميم مواقع أثرية بارزة ووضعها على خريطة السياحة العالمية.
◄ عظمة وجلال مصر
قدّم خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامي لـ مجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، محاضرة بعنوان "سيناء أرض الفيروز ومسارات الأنبياء"، وذلك خلال ندوة “جلال التاريخ وعظمة الحاضر" ضمن فعاليات مبادرة “عظمة وجلال مصر"، التي نظمتها مديرية التربية والتعليم بجنوب سيناء من خلال إدارتي الموهوبين والتعلم الذكي والمشاركة المجتمعية.
وأقيمت الفعاليات تحت رعاية اللواء الدكتور إسماعيل كمال بقاعة مركز التأهيل التابع لمديرية التضامن الاجتماعي بمدينة طور سيناء، بحضور عدد من القيادات التنفيذية والسياسية والدينية ومشايخ وعواقل بدو جنوب سيناء.
وخلال المحاضرة، أثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عدة قضايا تتعلق بترميم وتطوير عدد من المواقع الأثرية المهمة في سيناء، من بينها معبد سرابيط الخادم ومنطقة عيون موسى ودير الوادي، مطالبًا بتعاون مشترك بين وزارة السياحة والآثار ومحافظة جنوب سيناء، مع دعم من أعضاء مجلس النواب ومشاركة أهالي سيناء في مشروعات الترميم والتنمية.
◄ قوافل الحج المسيحي والإسلامي
وأوضح ريحان أن منطقة عيون موسى، المذكورة في القرآن الكريم، تقع على بعد 35 كيلومترًا من نفق أحمد حمدي، مؤكدًا أنها العيون الحقيقية التي تفجرت لنبي الله موسى عليه السلام، باعتبارها المحطة الأولى في رحلته عبر سيناء.
وأشار إلى أن الدراسات الحديثة التي أجراها الباحث فيليب مايرسون أثبتت أن المنطقة الممتدة من السويس حتى عيون موسى شديدة الجفاف، وهو ما يفسر معاناة بني إسرائيل من العطش قبل تفجر العيون الاثنتي عشرة بعدد أسباط بني إسرائيل.
وأضاف أن عددًا من الرحالة الذين زاروا سيناء خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وثقوا هذه العيون، ومنهم الرحالة ريتشارد بوكوك الذي وصف أربع عيون واضحة صالحة للشرب، بينما غطت الرمال بقية العيون مع مرور الزمن.

كما أوضح أن المنطقة كانت تضم أشجار نخيل ذكرتها النصوص الدينية، وكانت مياهها العذبة مصدرًا رئيسيًا لقوافل الحج المسيحي والإسلامي، فضلًا عن وجود ميناء قديم على خليج السويس استغله العثمانيون وتجار مدينة فينيسيا عام 1538م، حيث أنشأوا قناة لنقل المياه من عيون موسى إلى السفن الراسية بالميناء، الذي استخدم أيضًا كمحجر صحي للحجاج القادمين عبر خليج السويس.
◄ استثمار شهرة سيناء سياحيًا وثقافيًا
وأشار ريحان إلى أن وزارة الآثار بالتعاون مع وزارة السياحة نفذت عام 2018 مشروعًا لترميم سبع عيون فقط من إجمالي 12 عينًا، دون استكمال باقي أعمال التطوير أو إعادة فتح الموقع للزيارة، لافتًا إلى أن النشاط التجاري الذي كان قائمًا لأهالي المنطقة قبل الترميم توقف حاليًا، ما يستدعي سرعة استكمال المشروع وتزويد المنطقة بالخدمات وإنشاء بازارات لعرض المنتجات السيناوية ووضع الموقع على خريطة السياحة المحلية والعالمية.
وفيما يتعلق بمعبد سرابيط الخادم، دعا الدكتور ريحان إلى إدراجه ضمن المقاصد السياحية الكبرى في مصر، والعمل على إعداد ملف متكامل لتسجيله ضمن قائمة التراث العالمي الثقافي بـ اليونسكو، خاصة أنه مسجل بالفعل على القائمة التمهيدية.
وأكد أهمية تطوير المنطقة المحيطة بالمعبد والاستفادة من سياحة السفاري الشهيرة بها، وربطها بمشروع التجلي الأعظم، مع استثمار شهرة فيروز سيناء سياحيًا وثقافيًا.

واقترح ريحان إطلاق نمط سياحي جديد تحت اسم "سياحة أرض الفيروز"، ليكون مكملاً لمشروع التجلي الأعظم، موضحًا أن سيناء كانت المصدر الرئيسي للفيروز في مصر القديمة، وأن أخبار حملات التعدين تم تسجيلها على صخور معبد سرابيط الخادم، الذي يبعد نحو 320 كيلومترًا عن القاهرة.
◄ أقدم كتابة في العالم
وأوضح أن تسمية سيناء بـ"أرض الفيروز" لم تأت من فراغ، بل استندت إلى حقائق أثرية جسدتها النقوش الصخرية والعمارة المصرية القديمة والطبيعة الفريدة للمنطقة.
وأشار كذلك إلى أن منطقة سرابيط الخادم لا تقتصر أهميتها على استخراج الفيروز فقط، بل تضم أيضًا أقدم كتابة في العالم، والمعروفة باسم الأبجدية السينائية المبكرة، التي تعود إلى الفترة ما بين القرنين العشرين والثامن عشر قبل الميلاد، والتي انتقلت لاحقًا إلى فلسطين ثم إلى الأرض الفينيقية.
كما أوضح أن المجلس الأعلى للآثار نفذ خلال الفترة من 2009 حتى 2014 مشروعًا لترميم المعبد، شمل إعادة تركيب اللوحات الأثرية في أماكنها الأصلية، وتدعيم الأسوار وتنظيم مسارات الصعود والهبوط، إلى جانب إنشاء مقر دائم لمنطقة آثار سرابيط الخادم ومركز للزوار بتكلفة بلغت 14 مليون جنيه.
وأكد أن المعبد يحتاج حاليًا إلى مشروع ترميم شامل قبل افتتاحه رسميًا للزيارة، مع ضرورة تمهيد الطريق المؤدي إليه من مدينة أبو زنيمة بطول 40 كيلومترًا، وتوفير الخدمات السياحية اللازمة، وربط المشروع بمشروع التجلي الأعظم لتعظيم المقومات السياحية بجنوب سيناء.
◄ قيمة تاريخية وأثرية كبيرة
وفي محور آخر من المحاضرة، تحدث ريحان عن أهمية دير الوادي بمدينة طور سيناء، والذي تم اكتشافه عبر حفائر أثرية استمرت بين عامي 1985 و1994، مؤكدًا أنه تقدم بمشروع لترميم الدير نظرًا لقيمته التاريخية والأثرية الكبيرة.
وأوضح أن الدير يعود إلى عصر الإمبراطور جستنيان الأول في القرن السادس الميلادي، وكان بمثابة محطة لاستراحة الحجاج المسيحيين خلال رحلتهم إلى جبل موسى ودير سانت كاترين.

وأضاف أن الدير صُمم على مساحة مستطيلة بطول 53 مترًا وعرض 92 مترًا، وضم ثلاث كنائس وطابقين يحتويان على عشرات الحجرات التي استخدمت كقلايا للرهبان وأماكن لاستقبال الحجاج، إلى جانب بئر للمياه العذبة وفرن للخبز ومعصرة زيتون ومنطقة خدمات متكاملة.
وأكد أن ترميم دير الوادي وإدراجه على خريطة السياحة الثقافية والتاريخية سيسهم في تنشيط الحركة السياحية بمدينة طور سيناء وإضافة عنصر جذب جديد للسياحة الدينية والثقافية في جنوب سيناء.
وشهدت الندوة حضور عدد من الشخصيات التنفيذية والتشريعية والدينية والتعليمية، من بينهم العقيد أحمد عزت محمد نائبًا عن المستشار العسكري، والدكتورة وفاء محمد رضا وكيل وزارة التربية والتعليم، والدكتور مصطفى نجيب محمود رئيس الإدارة المركزية لمنطقة جنوب سيناء الأزهرية، والشيخ محمد عفيفي نائبًا عن وكيل وزارة الأوقاف، والشيخ إبراهيم سالم جبلي شيخ مشايخ وعواقل بدو جنوب سيناء، والنائب الدكتور ياسر عرفات عضو مجلس النواب، إلى جانب عدد من القيادات التعليمية ومديري المدارس وأولياء الأمور والطلاب.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







