فى كل أزمة إقليمية كبرى، تتجدد حملات التشكيك والتأويل، وروايات، تتجاهل التاريخ وتتغافل الحقائق، مثل مزاعم «تخلى مصر» عن دول الخليج، دون إدراك بأن قرارات الدول الكبرى لا تدار بالانفعال الإعلامى أو ضجيج «التوك شو»، وأن السياسات العليا المتعلقة بالأمن القومى، يتم اتخاذها بدرجات عالية من السرية والحسابات الدقيقة، والتمهيد سياسيًا واستراتيجيًا قبل الإعلان عنها.
ومن هنا، فإن أى تعاون عسكرى بين مصر ودول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، لا يمكن قراءته بعقلية ردود الأفعال اللحظية، بل فى إطار رؤية أمنية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل منظومة الردع العربية.
والأصوات التى سارعت إلى ترويج أكذوبة «التخلى المصرى»، هى ذاتها التى اعتادت انتقاد أى مشاركة مصرية فى الدفاع عن الأشقاء، وكأن المطلوب أن تُدان مصر فى كل الأحوال، فإن تحركت اتُّهمت بالتورط، وإن التزمت الصمت اتُّهمت بالتخلى.. حالة من التناقض السياسى والإعلامى تكشف أن الهدف هو صناعة حالة من التشكيك المستمر فى الدور المصرى.
وفى الأزمة الأخيرة، وقع بعض ضيوف الفضائيات فى فخاخ التسرع، واندفعوا إلى مهاجمة الموقف المصرى، متجاهلين أن الدول لا تعلن كل أوراقها دفعة واحدة، وأن التحركات الاستراتيجية تُبنى على حسابات معقدة، تتجاوز بكثير ما يُطرح على الشاشات.
أما جماعة الإخوان، فهى كعادتها تتربص بأى أزمة لإثارة الفوضى السياسية والإعلامية، متصورة أن ضرب الثقة بين الشعوب العربية وجيوشها الوطنية، قد يفتح لها نافذة جديدة للعودة إلى المشهد، رغم أن التجارب أثبتت أن هذه الجماعة، لا تتحرك إلا وفق منطق الانتهازية السياسية للأزمات.
وتأسيسًا على ذلك، فإن التواجد العسكرى المصرى فى الإمارات يمثل بداية لترسيخ مفهوم جديد يمكن وصفه بـ«الأمن القومى الإجرائى»، وهو مفهوم يتجاوز الشعارات والخطابات إلى سياسات واقعية، قائمة على التعاون العسكرى، وبناء شبكات ردع فعالة.
وجوهر هذا المفهوم يتمثل فى تحويل «المصير العربى المشترك»، من فكرة وجدانية إلى معادلة استراتيجية، تصبح فيها القوات المشتركة، هى الضامن الحقيقى للاستقرار، لا مجرد التوافقات السياسية القابلة للتغير، وحين تتمركز قوة عربية على أرض دولة شقيقة، فإن أى تهديد لتلك الدولة يصبح تلقائيًا تهديدًا مباشرًا لمنظومة إقليمية كاملة، وهو ما يرسخ فلسفة «الردع بالارتباط»، التى تعيد رسم قواعد القوة فى المنطقة.
والأهم، أن هذا النموذج قد يمهد لبناء تحالف أمنى عربى، أكثر استقلالًا عن الهيمنة الخارجية، وقادرًا على إدارة منظومة أمنية بأدوات عربية خالصة، تستوعب تعقيدات الإقليم وتوازناته الدقيقة، ويبدو أن هناك اتجاهًا متناميًا لعمل عربى مشترك، وفق أسس واقعية وليس الاكتفاء بالشعارات.
ويبقى معيار قوة التحالفات، ليس فى الشعارات، بل فى حجم الإجراءات العملية على الأرض، ومصر بتاريخها العسكرى والسياسى، تدرك جيدًا أن أمنها القومى، يبدأ من استقرار محيطها العربى، وأن الدفاع عن الأشقاء ليس شعارًا للاستهلاك الإعلامى، بل جزء أصيل من عقيدتها الاستراتيجية.


محمد بركات يكتب: ثورة يوليو ١٩٥٢ «٢»
د. محمد حسن البنا يكتب: ربما!
طفرة فى الصادرات الكيماوية والغذائية






