◄ بقلم: دينا الأدغم
في الأزمنة المضطربة، لا تُقاس حركة القادة بعدد الزيارات ولا بطول مراسم الاستقبال، بل بما تحمله الخطوات من رسائل خفية، وما تعكسه التحركات من قراءة عميقة لتحولات الإقليم. ومن هذا المنظور، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي ثم إلى مسقط في يوم واحد، وكأنها محاولة سياسية لإطفاء الحرائق قبل أن تتمدد ألسنتها إلى ما هو أبعد من حدود الجغرافيا.
فالمنطقة لم تعد تعيش مجرد توتر عابر، بل تقف عند حافة مشهد إقليمي بالغ الهشاشة، تتقاطع فيه الحسابات الأمريكية الإيرانية مع قلق الخليج، واضطرابات البحر الأحمر، ومخاوف الاقتصاد العالمي. وفي قلب هذا المشهد، تتحرك القاهرة مدركة أن النار حين تشتعل في الخليج، لا تبقى هناك وحده، بل تمتد ظلالها إلى كل الممرات الحيوية في الشرق الأوسط.
في أبوظبي، بدا اللقاء مع القيادة الإماراتية وكأنه تأكيد جديد على أن العلاقات المصرية الخليجية لم تعد قائمة فقط على المصالح التقليدية، بل على إدراك مشترك بأن الأمن العربي أصبح كتلة واحدة؛ لا يمكن فصل استقرار دولة عن الأخرى. فـ الإمارات العربية المتحدة، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي، أصبحت أحد الأعمدة الرئيسية في معادلة التوازن الإقليمي، بينما ترى القاهرة أن لحظة الاضطراب الراهنة تتطلب تنسيقًا عربيًا يتجاوز البيانات الدبلوماسية إلى إدارة فعلية للأزمة.
وفي خضم هذه الجولة، حملت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لعناصر القوات الجوية المصرية المشاركة في دولة الإمارات دلالة تتجاوز الطابع العسكري التقليدي. فالزيارة بدت رسالة مزدوجة؛ دعم مباشر للجنود المصريين المنتشرين خارج الحدود، وتأكيد في الوقت ذاته أن القاهرة لا تتحرك سياسيًا فقط، بل تمتلك أيضًا حضورًا عسكريًا قادرًا على حماية مصالحها ومساندة أمنها القومي العربي عند الضرورة.
هذا التداخل بين التحرك الدبلوماسي والجاهزية العسكرية يعكس طبيعة المقاربة المصرية الحالية؛ مقاربة تقوم على أن حماية الاستقرار لا تتحقق بالكلمات وحدها، بل بإظهار القدرة على الردع، والحفاظ على التوازن، وإرسال إشارات طمأنة للحلفاء في توقيت بالغ الحساسية.
ثم جاءت محطة مسقط، مختلفة في هدوئها، عميقة في رمزيتها. فـ سلطنة عُمان لم تكن يومًا لاعبًا صاخبًا في السياسة الإقليمية، لكنها ظلت دائمًا الدولة القادرة على فتح الأبواب المغلقة، وحمل الرسائل حين تتعثر لغة التصعيد. ولهذا، بدا الانتقال من أبوظبي إلى مسقط وكأنه انتقال من مساحة التنسيق السياسي والعسكري إلى مساحة البحث عن التهدئة الممكنة.
القاهرة تدرك أن أي مواجهة واسعة لن تهدد فقط استقرار الخليج، بل ستطال مباشرة أمن قناة السويس، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية، واقتصادات المنطقة بأسرها. ولذلك، فإن التحرك المصري في هذا التوقيت لا يبدو مجرد متابعة للأحداث، بل محاولة استباقية لمنع الانزلاق نحو مرحلة قد يصبح احتواؤها أكثر صعوبة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، حملت الجولة في مضمونها رسالة تتجاوز حدود العاصمتين الخليجيتين؛ رسالة تقول إن مصر لا تريد أن تكون مجرد مراقب لما يجري، بل طرفًا حاضرًا في رسم مسارات التهدئة، وحماية ما تبقى من توازن في إقليم تتزاحم فوقه احتمالات الانفجار.
هكذا بدت الجولة؛ ليست رحلة دبلوماسية عادية، بل تحركًا سياسيًا هادئًا تسنده قوة حاضرة، ومحاولة عربية لالتقاط اللحظة قبل أن تسبقها العواصف.


د إبراهيم مجدي حسين يكتب : الأمن النفسي القومي في عصر الذكاء الاصطناعي
قبل أن يسرقوا براءة أطفالنا رجاءٌ إلى البرلمان المصري
النجومية المفقودة!






