الشرقية - إسلام عبدالخالق
»الطمع والحقد ونفس الوسواس».. بعض الصفات التي تملكت فؤاد شاب وصبغته بالسواد ليستحل دماء عمه وزوجة عمه، بعدما قرر أن مال العم قد آن أوان سرقته؛ فسفك الدماء ولاذ بالاختباء، معللًا ما فعله وقنعت به نفسه بأنه يعيش دور المظلوم منذ سنوات بعد وفاة والده تارة، وأنه يستحق كل ما بحوزة عمه في صورة تعويض تارة أخرى، وفي صورة باطل غير مستحق تارات وتارات، ليجسد صورة هي الأقسى في جرائم الدم، وبشاعة هي الأدهى بين الأهل وأرباب المال وأحبائه.
بينما تفتح صفحة اليوم الجديد لونها الفاتح بعد ظلام الليل القاتم، وفيما ترتب الطيور أماكنها وأصواتها في مشهدها المعتاد فوق الأشجار وقرب الشرفات، كانت الشياطين مجتمعة قد أجمعت على أن هناك ظلامًا أشد قتامة في لونه وهيئته ومدلولاته قد صبغ قلب أحد بني آدم حين استحل لنفسه ما ليس من حقه، وسار في وسوسة نحو الهاوية وهو يظنها النجاة، في صورة لم تكن مسبوقة لأهل الوسوسة وهم يطالعون هذا الكم من الحقد في نفس بشرية واحدة.
مرت الدقائق سريعة، وحال اليوم يتكرر كحال ما سبقه، البهائم يجرها أصحاب الحقول في طريقهم المألوف قبيل الحصاد، والصغار بعضهم يمسك بأيدي أمهاتهم والبعض الآخر قد تحرك في حركة سرمدية في طريق واحد اختلفت سبله نحو طلب العلم، وبين الذاهبين كان فتى صغير على أبواب سنوات الشباب قد تعطف بشنطته الدراسية في درب العلم، تاركًا خلفه والديه كما يفعل كل يوم منذ بدء الدراسة، بخلاف أيام الإجازة والغياب، لكن هذا اليوم وتلك الرحلة كانت الأخيرة في درب البراءة.
خرج الصغير في طريقه إلى مدرسته، وهدأت لوحة الصباح قليلًا من الحركة السريعة في الطرقات، ومعها بدأت حركة أخرى أكثر تربصًا وريبة تدور داخل المنزل الذي تخطت طوابقه الثلاثة، في البناية كانت الأصوات هادئة لكنها ضجيجا بالنسبة لأهل البيت وأصحابه، لكن ما لبث الأمر أن تبدل في ظرف دقائق حين تحولت الخطوات التي أعلنت حضور ابن الأخ إلى دبيب وهو يتحسس موضع قدمه داخل المنزل، بعدما حضر على غير عادته وكأنه يطمئن على عمه وأحواله.
سيناريو الجريمة
جلس الفتى، الذي لم تمنعه دراسته الجامعية من حقده الدفين تجاه عمه؛ فهو الذي يحوز النصيب الأكبر من المال ويسر الأحوال، ما مكن حقد الفتى من التملك منه وصبغ قلبه بالسواد تجاه عمه بزعم أنه قد ظلمه في نصيبه من ميراث والده الذي رحل عن الدنيا قبل عقدٍ من الزمان.
أحضرت زوجة العم واجب الضيافة، فيما توسد «حماده» - كما كان يناديه عمه (دلعًا) - الأريكة الكبرى وسط البيت، وشرع في طلب مبلغ من المال، لكن الطلب كان مصحوبًا بتأكيد أنه حقه من الميراث، وهو ما رفض العم سماعه حتى، مؤكدًا أنه لم يظلمه أو يعهد الظلم طريقًا، وأن الكل يشهد بذلك، لكن، وفي الوقت الذي كان الحديث آخذًا في تصاعد حدته، راحت يد ابن العم تتمتم على سلاحه الذي يلامس جسده كما لو كان سبيل نجاته لا هلاكه، وفي طرفة عينٍ قرر التعبير عن حقد السنوات الدفين، وفيما يعلو الذهول ملامح صاحب البيت راح ابن شقيقه يُعاجله بالسكين، وضربة تلو الأخرى حتى وصل العدد إلى بضع طعنات، جرت في لحظاتٍ قليلة دلالةً على هيستيريا القتل وسفك الدماء التي حلت محل صلة الرحم من الشاب تجاه شقيق والده، قبل أن يترك جثمانه يصارع آخر أوقاته، وينتبه كما السفاح إلى زوجة عمه التي فزعها مشهد مقتل شريك عمرها وسند حياتها.
هرول القاتل حتى تمكن من زوجة عمه في الطابق الأسفل من البيت، وهناك أهداها نصيبها كما جرى لزوجها في عجالة ليتأكد من سرعة موتها، وتبع فعلاته الإجرامية بأن أتم الغاية التي حضر من أجلها، وراح ينفذ مآربه بعدما علم سابقًا أن عمه قد بذل الكثير من المال للحصول على عشرات الجرامات من الذهب، والتي وصلت إلى نحو ربع الكيلو من المعدن الأصفر، فضلًا عن أموال ليست بالقليلة بالتأكيد ستكون بحوزته داخل المنزل جراء تيسر حال العم.
وضع «حماده» الذهب رفقة المال الذي وصل إلى مليون ونصف المليون جنيه، قبل أن يلوذ بالفرار بمسروقاته وسلاحه مصحوبًا بآثار دماء ومقاومة تؤكد خديعة أصحابها في صلة رحم لا تستحق أن توصف بصفتها المأمولة، وقد خانها طمعه في المال وقدرته على سفك الدماء.
بضع ساعات فصلت بين ما جرى صبيحة الاثنين الأخير من أبريل، وبين حضور ابن المجني عليهما من مدرسته، إذ فوجئ الابن بوالدته في الطابق الأول من البيت وقد فارقت الحياة وتحيط بها دماؤها، ليفزع من فوره ويصرخ كما لو كان يستغيث، وفي ظرف دقائق حضر رجال الشرطة إلى المكان، قبل أن يتبين أن المجني عليها لم تفارق الحياة وحدها، وأن الفتى لم يخسر والدته فقط؛ إذ عُثر على جثة والده هناك في الطابق الثالث في حال لا يقل بشاعة عما كانت عليه جثة زوجته.
خيم الغموض على كل شيء؛ الجريمة غامضة، جثة الزوجة اكتُشفت أولًا ومن بعدها الزوج، لكن برز اختفاء المال والذهب ليطرح احتمال القتل بغرض السرقة، وبين هذا وذاك بذل رجال البحث الجنائي جهودًا جبارة، بدأت الأمور بكشف وفحص وتحريات موسعة، في الوقت الذي انتهى فيه رجال معمل الأدلة الجنائية من معاينة مسرح الجريمة في الطابقين الأول والثالث من المنزل، قبل نقل الجثمانين إلى مشرحة مستشفى الأحرار التعليمي في مدينة الزقازيق، وانتداب أحد الأطباء الشرعيين لإجراء الصفة التشريحية، وصرحت النيابة العامة بالدفن عقب الانتهاء من الإجراءات القانونية.
ضبط المتهم
لنحو ثمانية وأربعين ساعة استمرت جهود رجال المباحث الجنائية متواصلة، قبل أن تقود خيوط البحث إلى تحديد هوية المتهم وضبطه؛ إذ تبين أن وراء ارتكاب الواقعة نجل المجني عليه ويُدعى «محمد. أ. م»، 22 عامًا، طالب جامعي، فيما بينت التحريات والمعلومات الأولية أن محرك الجريمة لدى المتهم كان حقده على عمه بسبب ظنه أنه قد ظلمه في ميراث والده قبل نحو عشر سنوات، وبين طمعه في ماله وما كان بحوزته من ذهب، في الوقت الذي بينت فيه التحريات والمعلومات الأولية أن ظنون المتهم تجاه تعرضه للظلم من عمه بشأن ميراث والده محض زعم دون سند أو دليل، في الوقت الذي أكدت فيه التحريات أن المجني عليه كان ميسور الحال ويحوز الكثير من المال لتوسع مداخله.
جرى ضبط المتهم وسلاح جريمته (السكين)، وبالعرض على النيابة العامة قررت حبسه على ذمة التحقيقات بتهمة القتل العمد للمجني عليهما، «عبدالعزيز. م» 50 عامًا، وزوجته «هالة. أ»، 45 عامًا، داخل منزل الأسرة في عزبة المخزنجي التابعة لقرية شوبك بسطة في نطاق ودائرة مركز شرطة الزقازيق، فضلًا عن سرقة مصوغات ومبلغ مالي كبير.
اقرأ أيضا:
نجوم الفن فى مهمة دعم المنتخب
الأم: طليقى خطف بنتى منذ ولادتها ولم أرها حتى الآن
صرخة أب: حماتي حرمتني من رؤية طفلتي بعد وفاة زوجتي





