لم تكن شرارة الحرب الإسرائيلية «الأمريكية» الإيرانية المندلعة فى هذا العام، والمستمرة حتى الآن، مجرد فصل جديد من فصول حروب الشرق الأوسط، بل كانت بمثابة «زلزال جيوسياسي» ضربت ارتداداته العنيفة أركان الاقتصاد العالمى بالكامل، ومع قرار إيران بإغلاق مضيق هرمز فى مارس الماضى، لم يعد العالم يتحدث عن مواجهة عسكرية محدودة، بل عن «انتحار اقتصادي» جماعى، نعم لقد تم وضع الشريان التاجى للاقتصاد العالمى تحت سكين إيران، ليدخل الكوكب فى نفق مظلم من التضخم والاضطرابات الاقتصادية، التى لم تؤثر على دول العالم النامى فقط، بل طالت أوروبا أيضًا.
فى غضون أيام قليلة من إغلاق المضيق، قفزت أسعار خام «برنت» من مستويات 70 دولارًا لتكسر حاجز 105 دولارات، قبل أن تواصل صعودها الجنونى لتتجاوز 125 دولارًا للبرميل، هذا الارتفاع لم يكن نتاج نقص الإمدادات فحسب، بل نتيجة حالة من «الذعر واليقين المفقود» فى الأسواق المالية.
إن توقف تدفق 20 مليون برميل يوميًا عبر المضيق لم يشل حركة الإنتاج فى العالم فقط، بل فجّر أزمة فى تكاليف التأمين على الناقلات، التى ارتفعت بنسبة 1000%، مما حول عملية نقل الطاقة إلى «مغامرة انتحارية» باهظة الثمن.
لقد أثبتت هذه الحرب أن «الذهب الأسود» ليس مجرد سلعة عادية، بل هو وقود السياسة العالمية، الذى إذا ما انقطع، توقفت معه نبضات الحياة فى المصانع الأوروبية والأسواق الأمريكية، وفى العالم أجمع.
فأصبحنا نعيش صدمة طاقة حقيقية، وتحول مضيق هرمز إلى سلاح نووى «جيوسياسي»، ووفقًا للعقيدة السياسية الإيرانية، كان مضيق هرمز دائمًا «الخيار الأخير»، إلا أن هذا التهديد تحول اليوم إلى واقع ملموس.
لقد استخدمت إيران «مقصلة الجغرافيا» كسلاح يتفوق فى تأثيره على الصواريخ العابرة للقارات، مرسلة رسالة واضحة مفادها: «إذا لم تستقر إيران، فلن يستقر العالم»، وهذا ما يحدث بالفعل، ليس فقط عبر إغلاق المضيق، بل أيضًا من خلال تهديد أمن دول الخليج.
فالعالم كله الآن يترقب ويتابع ملامح أزمة اقتصادية عالمية وشيكة، وتشير تقارير البنك الدولى الصادرة مؤخرًا إلى أن العالم يقف على أعتاب سيناريو «الكابوس الاقتصادي»: الركود التضخمى، وهو المزيج القاتل بين الارتفاع الحاد فى الأسعار وانعدام النمو الاقتصادى.
وتعانى أوروبا والولايات المتحدة من موجة غلاء غير مسبوقة، مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة، مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين.
ولم تتوقف الأزمة عند محطات الوقود، بل امتدت لتطال «رغيف الخبز»، حيث أدى ارتفاع تكاليف النقل والأسمدة إلى قفزة فى أسعار السلع الأساسية، مما يهدد الدول النامية بموجات من الاضطرابات الاجتماعية.
لقد أربكت حسابات القوى الكبرى، إذ باتت الدولة التى تتحكم فى ممر مائى ضيق قادرة على شل حركة التجارة العالمية، سواء النفطية أو غير النفطية.
هذا الدرس القاسى دفع القوى الدولية إلى البحث بجدية عن «سيادة طاقية» بعيدًا عن ممرات الشرق الأوسط، مما يؤسس لمرحلة جديدة من «الانعزالية الاقتصادية» وتأمين المسارات البديلة، فالعالم اليوم رهينة لممرات ضيقة وتوازنات جيوسياسية هشة.
وبينما تحاول الدول المنتجة للنفط، التى تمتلك مسارات بديلة عبر البحر الأحمر، استثمار هذه الطفرة المؤقتة فى العوائد، يظل الاقتصاد العالمى هو «الضحية الأكبر» فى هذه المعادلة الصفرية، إن الجغرافيا لا ترحم، وستظل «مقصلة هرمز» معلقة فوق رقاب الجميع، حتى يدرك العالم أن أمن الطاقة لا ينفصل عن الاستقرار السياسى الشامل.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







