قلب مفتوح

النظام الدولى يحتضر

هشام عطية
هشام عطية


ما إن وطأت قدما دونالد ترامب عتبة البيت الأبيض فى ولايته الأولى، حتى شرع يوجه طعنات متتالية إلى جسد النظام الدولى الذى شيد من رماد الحرب العالمية الثانية. فانسحب من اتفاقية باريس للمناخ، ومن أكثر من ٦٠ منظمة وهيئة دولية، كان على رأسها مجلس حقوق الإنسان. كما شرعن للصهاينة اغتصاب فلسطين، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة.

غادر ترامب البيت الأبيض فى نهاية ولايته الأولى، تاركا النظام الدولى يئن على أجهزة التنفس الاصطناعى، يتأرجح بين الحياة والموت.
ومنذ عودته فى ولايته الثانية، وهو يسعى إلى نزع تلك الأجهزة نهائيا، ليرسل النظام الدولى إلى مثواه الأخير. اختطف رئيس دولة فنزويلا «نيكولاس مادورو» ، واستولى على نفطها فى انتهاك سافر للسيادة، ثم أشعل حربا مع إيران، متجاوزا كل قواعد وأعراف القانون الدولى وكأنها مجرد خطوط على ورق.

أثار ترامب فى العالم فوضى غير مسبوقة، ووقف يهدد الكون حاملًا فى يمناه ترسانة من الأسلحة النووية وحاملات الطائرات والموت والدمار، فارضا دبلوماسية البلطجة، واضعا قواعد وأعراف القانون الدولى تحت حذائه، والتى صارت عبئا على من وضعها. فغزة تمت إبادة أهلها تحت غطاء أمريكى مطلق، متجاوزة القانون الدولى، وفى الوقت نفسه اختطف رؤساء دول من عقر دارهم وهدد آخرين. تلك لم تكن مجرد انتهاكات، بل نعيا رسميا للنظام الدولى ومنظماته.

جوهر تجاوزات الإدارة الأمريكية خاصة فى الحقب الترامبية تخطى حدود خرق القواعد إلى اغتيال بنية العدالة ذاتها. فمارست واشنطن عقوبات قسرية أحادية على قضاة ومدعى المحكمة الجنائية الدولية، لتعطيل التحقيق فى جرائم ابادة ارتكبتها إسرائيل فى غزة. أما إسرائيل فتحدت علنا أوامر «العدل الدولية» بمنع الإبادة فى غزة، وواصلت الاستيطان المحظور. وتكتمل الاستراتيجية الصهيو-أمريكية لاغتيال النظام الدولى بقوانينه وأعرافه وتقاليده بتحويل مجلس الأمن إلى أداة تعطيل، يكرس فيها الفيتو الأمريكى درع حصانة للمحتل من المساءلة.

فى يقينى أن النظام الدولى الحالى قد مات، وإن لم يعلن نعيه رسميا وأن تغييرات جذرية تلوح فى الأفق، تختزلها ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها أولها، فوضى منظمة بيد أمريكية عاجزة عن فرض قواعد جامعة، فتستعر المزيد من النزاعات الإقليمية بلا ضابط. ثانيها، نظام متعدد الأقطاب تتقاسمه القوى الكبرى بتوازن شديد الهشاشة، قد يحد من الانفلات لكنه لا يلغيه. ثالثها، وهو الأكثر تعقيدا، نظام هجين يعاد فيه تشكيل المؤسسات الدولية لتعكس موازين القوى المستجدة، ولكنه يظل رهينا لتوافق دولى يبدو حلما بعيدا كالسراب.

 فى النهاية فإن نعش النظام الدولى لم يوار الثرى بعد، لكن الجسد الذى يحمله لم يعد صالحا للسيطرة على الصراعات ولضبط شئون العالم الذى بات لا يترقب نظاما جديدا فحسب، بل يمر بمخاض عسير، تتصارع فيه قواعد الأمس ووقائع الغد، فى انتظار لحظة حسم لم تكتمل معالمها بعد.