قلم ووطن

«بين الشيطنة والتقارب: كيف أظهرت الدراما الإيرانية تشكيل صورة مصر وكيف تعيد رسمها قريبًا؟»

لواء د. سيد غنيم
لواء د. سيد غنيم


بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، ركزت الدراما الإيرانية على الشئون الداخلية بشكل كبير. إلا أنها تعرضت للشخصية المصرية بشكل لافت فى عدة أعمال درامية، حيث تم غرس فكرة المصرى السيئ أو الشرير فى الوعى الجمعى الإيرانى، كلما كان هناك فرصة.

ولدينا مثال بفيلم «إعدام فرعون»، والذى قدم رواية منحازة عبر ثلاث أدوات أساسية بقلب الأدوار، حيث صور خالد الإسلامبولى كبطل، وأنور السادات كخائن. واختزال الحدث، بحصر سياسات السادات فى اتفاقية كامب ديفيد وتقديمها كخيانة مطلقة دون سياق. وتقديم سرد أيديولوجى انتقائى، تجاهل فيه الواقع المصرى الداخلى وتوظيف خطاب مستمد من الثورة الإسلامية الإيرانية لخدمة رؤية سياسية إيرانية.

وفيلم آخر اسمه «القناص»، شاهدته مصادفة فى كوريا الجنوبية فى أكتوبر الماضى وكان مترجمًا للغة الإنجليزية، يتناول قصة القناص الإيرانى الشهير عبد الرسول زارين فى الحرب العراقية - الإيرانية، يقدمه كبطل أسطورى مع أرقام مبالغ فيها عن عدد القتلى. الفيلم يحتوى على معالجة دعائية واضحة، ويظهر الخصم (الجيش العراقى وحلفاءه) بصورة كاريكاتورية أو سلبية، رغم إنه لا توجد دولة ذكرت فى الفيلم أرسلت مقاتلين يحاربون مع العراق.

وكان فى الفيلم قناص من الجيش المصرى (يضع علم مصر على كتفه) يحارب مع العراقيين، وهو ما لم يحدث، أُظهر على أنه سكير غير منضبط وشعره طويل وبيتكلم باللهجة المصرية باستهتار وسخافة على أنه جاى يعلم الجيش العراقى. وقُتل كشرير فى النهاية. اتفهم السياق الدرامى، واتفهم كراهية الثورة الإيرانية للسلوك المصرى والمصريين بشكل عام، خاصة الجيش المصرى.

أما فى المسلسل الإيرانى الرائع يوسف الصديق الذى يتحدث عن قصة سيدنا يوسف عليه السلام خلال مصر القديمة فنجد تسخيف صورة مصر القديمة (صاحبة الحضارة) بشكل آخر. فمسلسل «يوسف الصديق» قدم رؤية درامية/ أيديولوجية لمصر القديمة، وفيه عدد من المعالجات التى اعتبرها نقاد ومؤرخون تشويهًا أو تبسيطًا مخلًا لصورة مصر الفرعونية.

ومن أهم النقاط أن المسلسل فى بعض مشاهده قدم تصويرًا دينيًا أحاديًا لمجتمع معقد، وبعض الإسقاطات الدينية المتعمدة، وفى عدة مشاهد تلاحظ بشكل عام تهميش الإنجازات الحضارية، فكان نادراً ما يظهر المسلسل جوانب مثل الإدارة المتقدمة، الهندسة، الطب، أو التنظيم الزراعى المرتبط بالنيل، وجميعها أو معظمها نسبها لسيدنا يوسف غير المصرى وليس لمصر. والنتيجة، صورة أحادية تُغفل أسباب قوة واستمرارية الحضارة.
ناهيك عن الثنائية الأخلاقية الحادة، فالمسلسل يبنى عالمًا منقسمًا بوضوح بين خير مطلق يمثله سيدنا يوسف مقابل شر مطلق يمثله المجتمع المصرى عدا بعض أصدقاء سيدنا يوسف. وهو بناء درامى فعال لكنه يضغط الواقع التاريخى فى قالب مبسط بشكل مبالغ فيه.

وهنا نجد المشكلة ليست فى سرد قصة دينية من منظور معين، بل فى تقديم مصر الفرعونية كخلفية مسطحة لخدمة رسالة وعظية، مع إهمال التعقيد التاريخى والحضارى. إذا قرأت العمل كـ «دراما عقائدية» ستفهم منطقه، لكن إذا تعاملت معه كمصدر عن مصر القديمة فستصطدم بكثير من التبسيط والتشويه.

ورغم ما سبق أتوقع على المدى القصير أن تعمل إيران على الآتى:

1. تكثيف العمل على وسائل التواصل الاجتماعى والإعلام غير الرسمى، مع زيادة استخدام حسابات غير رسمية (أفراد/مؤثرين) بدل الإنتاجات الضخمة لتمرير رسائل دقيقة يصعب نسبها للدولة.

2. ازدواجية الخطاب الإيرانى تجاه مصر، مع الميل تجاه التقارب مع مصر تدريجيًا.

3. إعادة تأطير التاريخ بدل مهاجمته مباشرة، فبدل تصوير المصرى كشرير، سيتم التركيز على سرديات تُبرز الدور الإيرانى/غير المصرى فى لحظات تاريخية مفصلية (كما أشرت سلفًا فى مسلسل يوسف الصديق)، لكن بشكل أكثر نعومة واحتراف.

4. اختراق ثقافى عبر الإنتاج المشترك، وذلك بمحاولات محدودة لإنتاج أعمال مشتركة أو استضافة فنانين مصريين، لكن مع تحكم، بشكل غير مباشر، فى الرسائل الأساسية.

5. استهداف النخب بشكل أساسى، من خلال استضافة أنشطة ثقافية/أكاديمية (فعاليات وأنشطة علمية وبحثية كالمؤتمرات والندوات وورش العمل)، وهو ما قد يسبق الدراما، بهدف إعادة تشكيل تصور النخب ثم تسريبه للجمهور.

6. ستعمل إيران على تجنب الاستفزاز المباشر للجيش المصرى، حيث ستتراجع الصور الفجة (مثل نموذج فيلم القناص) لأنها تعرقل أى تقارب سياسى.

7. اختبار رد الفعل المصرى بشكل مرحلى، فكل خطوة (عمل درامى، حملة إعلامية، مبادرة ثقافية) ستكون بمثابة جس نبض، ويتم تعديل المسار بناءً على الاستجابة.

8. إبراز القواسم الدينية بشكل انتقائى، وذلك بتوظيف الخطاب الدينى المشترك، لكن مع تمرير قراءة مذهبية غير مباشرة داخل السياق.

9. إعادة توظيف شخصيات تاريخية/معاصرة، وذلك تقديم شخصيات مصرية أو مرتبطة بمصر بشكل أكثر إيجابية، لكن ضمن إطار يخدم السردية الإيرانية الأشمل.


10. ربط التقارب الثقافى بسياق إقليمى أكبر، فأى تحسن فى الصورة لن يكون معزولًا، بل مرتبطًا بترتيبات إقليمية أوسع (تهدئة، تفاهمات، أو إعادة تموضع).


11. قيام بعض القنوات الفضائية الداعمة للموقف الإيرانى بالقيام باستعراض مواطن التشابه بين الشعبين المصرى والإيرانى فى الطباع والأخلاق، والتشابه فى الدين، وفى عمق الحضارة كأهم أسباب تقارب الشعبين.


زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية رئيس معهد شئون العالمى والدفاع