في خطوة تعكس ثقلاً دبلوماسياً واقتصادياً متصاعداً، استضافت سفارة الهند بالقاهرة اليوم الأربعاء 6 مايو إحاطةً صحفية تمهيدية، تكشف ملامح القمة الرابعة لمنتدى الهند-أفريقيا المرتقبة في الحادي والعشرين من الشهر الجاري بالعاصمة الهندية نيودلهي، وذلك بحضور السفير سوريش كيه ريدي سفير الهند لدى مصر، إلى جانب السفير د. محمد حجازي مساعد وزير الخارجية الأسبق وسفير مصر السابق لدى الهند، ومحمد أبو باشا رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لشباب الأعمال.

قمة في زمن الاضطراب.. والشعار يختزل الرؤية
أكد السفير سوريش ريدي أن هذه النسخة الرابعة من القمة تأتي في مرحلة مغايرة تماماً لسابقاتها، ولا سيما نسخة 2015 التي شهدت أكبر تجمع للزعماء الأفارقة على الأراضي الهندية.
وأوضح أن العالم اليوم يعيش في خضم تحولات متسارعة وتوترات متشابكة تفرض تحديات غير مسبوقة، مشيراً إلى أن شعار القمة "IA SPIRIT" يُجسّد هذا الفهم الجديد، إذ يعني "الشراكة الاستراتيجية بين الهند وأفريقيا من أجل الابتكار والصمود والتحول الشامل".
وأشار إلى أن القمة ستُصاحبها ثلاثة فعاليات موازية، وهي اجتماع وزراء الخارجية، ومنتدى الأعمال الذي سيضم رجال أعمال هنداً وأفارقة من 54 دولة، فضلاً عن لقاءات الدبلوماسية من المسار الثاني بين النخب الأكاديمية والفكرية.

أرقام تتحدث عن نفسها
كشف السفير الهندي عن حجم ما تحقق منذ قمة 2015 حتى اليوم، لافتاً إلى أن حجم التجارة بين الهند وأفريقيا قفز إلى ما يقارب 100 مليار دولار، في حين تجاوزت الاستثمارات الهندية في القارة 80 مليار دولار. وعلى صعيد بناء القدرات البشرية، أوضح أن الهند منحت أكثر من 80 ألف أفريقي منحاً دراسية وبرامج تدريبية بمعدل يتراوح بين 8 و10 آلاف شخص سنوياً.
وأضاف أن الهند افتتحت 70 سفارة جديدة في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، تعزيزاً لحضورها الدبلوماسي المتنامي في القارة.

نموذج الشريك الذي لا يفرض شروطاً
أسهم السفير د. محمد حجازي بقراءة عميقة في جوهر العلاقة الهندية-الأفريقية، مستحضراً جذورها الضاربة في أعماق القرن الماضي، حين جمع جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو تحالفٌ فكري وسياسي تجاو حدود المصالح إلى فضاء المبادئ المشتركة، إذ لم يكتفيا بمتابعة حركات التحرر الأفريقي من بُعد، بل انخرطا في دعمها ومساندة مرحلة ما بعد الاستقلال بكل ثقلهما.
وأشار حجازي إلى أن هذا الإرث التاريخي العميق هو ما يمنح العلاقة الهندية-الأفريقية اليوم مصداقيتها وصدقها أمام الشعوب الأفريقية.
وعلى صعيد المسار الحديث، أوضح حجازي أن ما قدمته الهند منذ مؤتمر 2008 يمثل نموذجاً استثنائياً في العلاقات بين دول الجنوب، إذ شمل الدعم المقدم 50 ألف منحة دراسية إضافةً إلى 600 مليون دولار، فضلاً عن خطوط تمويل ميسّرة عبر البنك التصديري الهندي بفوائد منخفضة لم تعهدها الدول الأفريقية في علاقاتها مع الشركاء الغربيين، لكن الأهم من كل ذلك في نظره كان فتح باب نقل التكنولوجيا بلا قيود، في مجالات الفضاء والطاقة النووية وتقنية المعلومات والهندسة الجيولوجية، وهي التكنولوجيا التي ظلت أفريقيا تتطلع إليها دون أن تجد من يمدّها بها بشروط عادلة.
ورأى حجازي أن جوهر ما يميز النموذج الهندي عن غيره هو أنه لا يُصدّر أجنداته السياسية ولا يشترط على الشركاء أنماطاً بعينها في الحوكمة أو الاقتصاد، بل ينطلق من منطق التكامل والمصلحة المشتركة بعيداً عن علاقة المانح والمتلقي التي طالما أثقلت كاهل القارة الأفريقية في علاقاتها مع القوى الكبرى.

وأضاف أنه عايش هذا النهج عن كثب إبان عمله سفيراً لمصر في الهند، حيث وجد في رجال الأعمال الهنود شركاءَ حقيقيين منخرطين في تطوير مصر لا مجرد مستثمرين يبحثون عن عائد سريع.
وخلص حجازي إلى أن مصر تحتل موقعاً خاصاً ومحورياً على الخريطة الهندية-الأفريقية، لا بحكم جغرافيتها فحسب، بل لما تمثله من ثقل بشري وكفاءات بشرية يُوظّفها الهنود أنفسهم في مشاريعهم الدولية بدول عديدة حول العالم.
ولفت إلى أن نحو 50 شركة هندية تعمل حالياً على الأرض المصرية باستثمارات تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار، في حين تبلغ قيمة الاستثمارات الهندية المباشرة نحو 3 مليارات دولار، مشيراً إلى أن هذه الأرقام تعكس ثقة متجذّرة تتخطى حدود البيانات الدبلوماسية إلى واقع اقتصادي ملموس.

الأرقام لا تعكس الإمكانات الحقيقية
في ذات السياق تحدث محمد أبو باشا بلغة أرقام وواقع ميداني، مشيراً إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر والهند يبلغ حالياً نحو 5 مليارات دولار، مع توقعات جدية بمضاعفته إلى 12 ملياراً في المدى المنظور، غير أنه لفت إلى أن هذا الرقم، رغم تناميه، لا يعكس بعدُ الطاقة الكامنة الحقيقية في العلاقة بين البلدين، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن حجم التجارة الهندية-الأفريقية ككل بلغ 100 مليار دولار، في حين تصل قيمة الاقتصاد الهندي وحده إلى 4 تريليونات دولار، وهو ما يعني أن الفجوة بين ما هو قائم وما هو ممكن لا تزال واسعة وتستدعي قفزات نوعية لا تدرجاً بطيئاً.
وأكد أبو باشا أن مصر تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون أكثر من مجرد طرف في معادلة التبادل التجاري، إذ تجعلها جغرافيتها الاستثنائية بوابة طبيعية تربط أفريقيا بالشرق الأوسط وأوروبا في آنٍ واحد.

وأشار إلى أن القطاعات الأكثر إلحاحاً للتعاون تشمل الاقتصاد الرقمي والتحول المالي والتكنولوجي، إلى جانب الزراعة والبتروكيماويات، لافتاً إلى أن نحو 50% من سكان مصر من الشباب، وهو رصيد بشري ضخم يمثل ميزة تنافسية حقيقية أمام الشركاء الهنود الراغبين في التوسع بالمنطقة.
ونوّه إلى أن الجمعية المصرية لشباب الأعمال تضم قرابة 450 عضو يمثلون قطاعات متنوعة، مؤكداً استعداد الجمعية للمشاركة بوفد فاعل في منتدى الأعمال المرتقب على هامش القمة.
وشدد على أن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالتبادل التجاري التقليدي، بل الانتقال إلى مرحلة أكثر نضجاً تتمثل في إنشاء شركات استثمارية مشتركة تستثمر الموارد البشرية الشابة وتفتح أسواقاً إقليمية أوسع، مؤكداً أن الشراكة الحقيقية تُبنى بين الشركات وليس فقط بين الحكومات.

الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







