لسنوات طويلة ظل سؤال يراود الكثير من البالغين لماذا تبدو الحياة في بعض الأحيان غير متناسقة أو مربكة دون تفسير واضح؟ واليوم يجد عدد متزايد منهم الإجابة متأخرة، بعد أن يتم تشخيصهم باضطراب طيف التوحد في مرحلة البلوغ، وهو ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة.
ويؤكد خبراء أن هذا الارتفاع لا يعود إلى زيادة مفاجئة في عدد الحالات، بل إلى تطور الوعي الطبي وتحسن أدوات التشخيص، إلى جانب تصحيح مفاهيم قديمة كانت تحصر التوحد في صورة نمطية ضيقة ترتبط غالبًا بالأطفال الذكور.
وتوضح الدكتورة سونالي تشاتورفيدي، استشارية علم النفس في مستشفيات أريتي، أن "عدد البالغين الذين يتم تشخيصهم بالتوحد اليوم يفوق أي وقت مضى، حيث شهدت التشخيصات ارتفاعا كبيرا خلال العقد الأخير مع توسع الفهم الطبي لهذه الحالة".
وتشير الدراسات الحديثة، بما فيها ما ورد عن المعهد الوطني للصحة العقلية، إلى أن التوحد ليس حالة واحدة ثابتة، بل طيف واسع يختلف في أعراضه وشدته من شخص لآخر، وقد يتغير ظهوره مع العمر والجنس، وهو ما أدى إلى تجاهل العديد من الحالات في الطفولة.
اقرأ أيضًا | التوحد.. مخاطر استخدام الشاشات في سن مبكر
فهم قديم حصر التوحد في صورة واحدة
لعقود ارتبط التوحد في الأذهان بصورة طفل يعاني من صعوبات واضحة في التواصل الاجتماعي، ما أدى إلى تجاهل أشخاص كثيرين لم تنطبق عليهم هذه الصورة التقليدية.
فالأفراد الذين اتسموا بالهدوء أو الدقة أو التركيز العالي غالبا ما وصفوا بالخجل أو الانطواء، دون إدراك أنهم قد يكونون ضمن طيف التوحد.
جهد خفي لإخفاء الاختلاف
يشير الأطباء إلى أن كثيرًا من البالغين الذين يشخصون لاحقا بالتوحد، كانوا قد طوروا منذ الطفولة ما يعرف بـ"التمويه"، أي تقليد السلوكيات الاجتماعية ومحاولة الاندماج عبر مراقبة الآخرين وتعلم ردود أفعالهم.
ورغم أن هذه الآلية تساعد على التكيف الاجتماعي، إلا أنها تأتي بثمن نفسي كبير، حيث قد تؤدي مع الوقت إلى الإرهاق، القلق، وفقدان الإحساس بالذات الحقيقية، وهو ما يفسر تأخر اكتشاف الحالة لدى كثيرين.
وتوضح تشاتورفيدي أن هذا "التمويه قد يخفي علامات التوحد حتى عن الشخص نفسه"، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص لسنوات طويلة.
تشخيصات سابقة غير دقيقة
قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح، يخضع العديد من البالغين لتقييمات نفسية متعددة، وغالبًا ما يتم تشخيصهم بالقلق أو الاكتئاب أو اضطرابات أخرى في الشخصية.
ورغم أن هذه الحالات قد تتداخل مع التوحد، إلا أن العلاج الجزئي لها لا يزيل الشعور بوجود “شيء مفقود”، وفق ما تشير إليه تقارير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، التي تؤكد شيوع الحالات المصاحبة لاضطراب طيف التوحد.
ويؤكد الأطباء أن كثيرا من المرضى يمرون برحلة طويلة من البحث عن تفسير لحالتهم النفسية قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح، والذي غالبًا ما يكون نقطة تحول في فهم الذات.
تأخر تشخيص النساء
من أبرز ملامح هذه الظاهرة تأخر تشخيص النساء مقارنة بالرجال، نتيجة اعتماد الأبحاث القديمة على نماذج ذكورية في دراسة التوحد.
وغالبًا ما تمتلك النساء قدرات أعلى على التكيف الاجتماعي وإخفاء الأعراض، ما أدى إلى تفسير صعوباتهن بشكل خاطئ على أنها حساسية مفرطة أو تفكير زائد، بينما كانت في الواقع مؤشرات على اختلاف عصبي نمائي.
تحول في الوعي المجتمعي
يرى الخبراء أن انتشار النقاش حول التوحد عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ساهم في زيادة الوعي، إلى جانب تحسن خدمات التشخيص للبالغين في بعض الدول، رغم استمرار الفجوات في إمكانية الوصول للعلاج.
وتوضح تشاتورفيدي أن "مجرد سماع شخص آخر يصف تجربة مشابهة قد يكون نقطة تحول تدفع الكثيرين لطلب التقييم الطبي".
وبالنسبة للكثيرين، لا ينظر إلى التشخيص على أنه تغيير في الهوية، بل كوسيلة لفهم الذات بشكل أعمق، فبدلًا من سنوات من الشك والتساؤل يمنح التشخيص تفسيرا منطقيا لتجارب الحياة المختلفة منذ الطفولة وحتى البلوغ.
وتخلص التقارير الطبية، بما فيها تقارير منظمة الصحة العالمية، إلى أن تحسين خدمات التشخيص والدعم النفسي للبالغين يمثل ضرورة ملحة، خاصة مع تزايد حالات الاكتشاف المتأخر.

البطيخ و ماء جوز الهند.. أطعمة صيفية تمنح جسمك ترطيبًا مثاليًا
قبل أن يغزوها العفن.. كيف تنظف ماكينة إسبريسو بطريقة صحيحة؟
بخطوات بسيطة في المنزل.. كيف تستعيدين بريق الذهب والفضة كالجديدة؟







