فيديو وصور| حين تُنبت الأرض ذهبًا.. حكاية القمح من قلب حقول الغربية 

حصاد القمح
حصاد القمح


الغربية| ماجدة شلبي

في صباح ربيعي هادئ ومع أول خيوط الشمس التي تتسلل فوق الحقول الممتدة يبدأ مشهد لا يتكرر إلا مرة واحدة كل عام موسم حصاد القمح هنا حيث تختلط رائحة الأرض بعرق الفلاحين وتعلو أصوات المناجل والآلات تتجسد حكايات تعبٍ امتد لشهور طويلة وأملٍ يتجدد مع كل سنبلة ذهبية.


ليس مجرد محصول عادي يُزرع ويُحصد بل هو حكاية حياة كاملة هكذا يبدو القمح في عيون الفلاحين مع كل موسم جديد تعود الأرض لتروي قصة قديمة متجددة عنوانها التعب والصبر ونهايتها دائمًا أمل في الخير في الريف المصري لا يُقاس موسم القمح بالأرقام فقط بل يُقاس بسنوات العِشرة بين الفلاح وأرضه وبعدد الليالي التي قضاها ساهرًا يخشى على زرعه من تقلبات الطقس أو نقص المياه أو ارتفاع التكاليف.


منذ اللحظة الأولى التي تُلقى فيها حبة القمح في التربة تبدأ رحلة طويلة من العمل الشاق رحلة لا تعرف التوقف شهور كاملة يقضيها الفلاح متنقلًا بين أرضه يتابع نمو النبات يومًا بعد يوم يراقب لونه يختبر قوته ويأمل أن يكون الموسم كريمًا ومع كل شروق شمس تتجدد الحكاية ويكبر الحلم مع كل سنبلة تمتلئ بالحياة.

 


هذا العام جاء موسم القمح مختلفًا في تفاصيله لكنه متشابه في جوهره حيث اجتمع الاستقرار النسبي في الطقس مع توافر التقاوي الحديثة لتمنح الفلاحين فرصة حقيقية لمحصول جيد الدولة بدورها سعت لتوفير مستلزمات الإنتاج من تقاوي معتمدة عالية الجودة إلى أسمدة في محاولة لدعم الفلاح وتحقيق إنتاجية أفضل ومع ذلك لم تخلُ الرحلة من التحديات خاصة مع ارتفاع بعض التكاليف التي أثرت بشكل مباشر على المزارعين.
ورغم كل شيء يبقى القمح بالنسبة للفلاحين (موسم الخير )بلا منازع الموسم الذي ينتظرونه من العام للعام لأنه ببساطة حصيلة تعبهم ونتيجة جهدهم ومرآة صبرهم.


في هذا الموسم تتحول الحقول إلى لوحات ذهبية وتعلو أصوات الفرح وسط سنابل القمح في مشهد لا يمكن أن تلتقطه الكلمات بسهولة.

من قلب هذه الحقول وبين أيدي الفلاحين التي خطتها السنين تحدث الفلاحون لبوابة أخبار اليوم عن تفاصيل الموسم كما عاشوها ليس فقط كوقائع بل كحكايات إنسانية نابضة بالحياة.

البداية خطوة بتحدد كل حاجة


يقول الحاج عبد الرؤوف غنيم وهو يشير إلى أرضه: (إحنا بنبدأ زراعة القمح من شهر 11 ودي أهم مرحلة لأن لو غلطت في البداية هتفضل تصلّح طول الموسم ومش هتعرف تعوض
علشان كده بنختار التقاوي بعناية ونجهز الأرض كويس ونظبط مواعيد الزراعة كل تفصيلة ليها حسابها لأن القمح مش بيحب الإهمال )
وأضاف (السنة دي كنا مرتاحين شوية لأن التقاوي كانت متوفرة والحكومة ساعدتنا وده فرق معانا نفسيًا قبل ما يفرق في الأرض )

 التقاوي سر النجاح


ويقول الحاج إبراهيم سلام: (زمان كنا بنزرع بأي تقاوي وخلاص لكن دلوقتي بقينا فاهمين فيه أصناف حديثة زي سدس 14 وسخا 95 و96 ومصر 3 و4 وجيزة 171 الأصناف دي مش بس بتدي إنتاج عالي دي كمان بتستحمل الحرارة ومقاومة للأمراض يعني بتقلل الخسارة علينا الفلاح بقى بيفكر ويقارن ويختار لأن كل أردب زيادة بيفرق في بيته)

 

 

 

 

الطقس نعمة من ربنا


الحاج عبد النبي البشبيشي كان أكثر ارتياحًا وهو يتحدث عن الجو (الحمد لله السنة دي الجو كان رحيم بينا لا حر ضرب الزرع ولا برد بوّظه القمح لما يلاقي جو معتدل بيدي أحسن ما عنده وإحنا شفنا ده بعينينا في سنين فاتت كنا بنخاف من التقلبات لكن الموسم ده عدّى بهدوء وده كان سبب رئيسي في إن المحصول يبقى كويس ) 

الري وجع مستمر


لكن مع كل الإيجابيات يظل التحدي حاضرًا، يقول صلاح موسى: (الميه هي روح الزرع من غيرها مفيش محصول وعندنا نوعين ري: ترع وآبار.اللي تعبنا بجد هو سعر الجاز لأنه بيشغل ماكينات الري وكل ما يغلى التكلفة بتزيد علينا إحنا بنحاول نوفر ونظبط نفسنا بس في حاجات غصب عننا ودي كانت أكبر مشكلة قابلتنا الموسم ده)

 الحصاد بين زمان ودلوقتي


ويعود الحديث للحاج عبد الرؤوف غنيم: (فيه ناس لسه متمسكة بالحصاد اليدوي بيقولوا إن له بركة وطعم تاني وفيه اللي بيحب الماكينات علشان تخلص بسرعة وكل واحد حر بس في الآخر سواء ده أو ده الفرحة واحدة أول ما السنابل تتجمع بنحس إن تعبنا ما راحش هدر )

التوريد أمل في الأفضل


ويقول الحاج إبراهيم سلام: "إحنا بنورد القمح للدولة بسعر ٢٥٠٠ جنيه للأردب والسعر مش وحش لكنه محتاج يتحسن شوية، الفلاح لما يحس إن تعبه متقدّر هيزرع أكتر وهيهتم أكتر ، إحنا مش بنطلب المستحيل بس عايزين مقابل عادل لتعبنا وكمان تخفيض سعر إيجار أراضي الأوقاف هيفرق معانا كتير الإيجار زاد من ٧٠٠ جنيه ل ١٧٠٠ جنيه وده عمل خلل كبير وأثر علينا بشكل سلبي ".

ويؤكد الحاج عبد النبي البشبيشي: "الإرشاد الزراعي ليه دور كبير فيه مهندسين بييجوايوجّهونا وكمان فيه حملات توجيهيه اللي بيسمع الكلام ويمشي عليه بيشوف فرق كبير في الإنتاج، ويضيف: بقينا نزرع بعلم مش بس بخبرة وده اللي فارق معانا".

 الإنتاج على قد التعب 


ويقول صلاح موسى:
(الفدان بيطلع حوالي 15 أردب وده كويس في الظروف الحالية فيه ناس بتطلع أكتر وده بيرجع لاهتمامها بالأرض الأرض بتدي على قد ما تاخد واللي يتعب فيها عمرها ما تضيعه)

الأرض عشرة عمر


وفي لحظة صادقة يختتم الحاج عبد الرؤوف غنيم الحديث: (إحنا بنتعب طول السنة علشان يوم الحصاد اليوم اللي بنستناه من السنة للسنة ده يوم خير للعائلة كلها بناخد احتياجنا وبنخزن التبن للمواشي وبنورد الباقي للدولة والفلوس اللي بناخدها بنجهز بيها الأرض ونشتري تقاوي ونستعد للموسم الجديد.. الأرض دي مش مجرد شغل دي عشرة عمر فيها تعبنا وذكرياتنا وكل حاجة".

مع غروب الشمس تهدأ الحقول قليلًا لكن الفرحة تظل حاضرة في القلوب موسم القمح ليس مجرد وقت للحصاد بل هو لحظة حساب بين الفلاح وتعبه لحظة يرى فيها نتيجة صبره مجسدة أمام عينيه في سنابل ذهبية.