بعقلية الرجل المثقف المنفتح على كل الحضارات، وبالحرص الكامل على أن يكون بعيدًا عن التدخل المباشر فى العمل السياسى.. جاءت إشارة ملك بريطانيا تشارلز الثالث فى حديثه أمام الكونجرس الأمريكى عن العدوان الثلاثى، الذى شاركت فيه بلاده قبل سبعين عامًا وتحطم أمام المقاومة الأسطورية لمصر. أشار «تشارلز» بلباقة شديدة إلى زيارة أمه الملكة الراحلة اليزابيث لواشنطن بعد شهور من العدوان الثلاثى، الذى عارضته يومها الولايات المتحدة، والذى انتهى - رغم التفوق العسكرى - إلى فتح الصفحة الأخيرة فى حياة الاستعمار القديم، وانتصار مصر، وانطلاق قوى التحرر الوطنى فى العالم كله إلى عصر جديد تتخلص فيه من قيود الاستعمار وتستعيد إرادتها الحرة وثرواتها المنهوبة. كانت إشارة عابرة لكنها كافية للتذكير بأن للقوة المسلحة حدودًا، وبأن للتاريخ أحكامه الصارمة، وبأنه - فى النهاية - لن يصح إلا الصحيح.
سبعون عامًا تمر على الحدث التاريخى الذى غيّر وجه العالم بأكمله، بعد شهور سنحتفل بالذكرى العظيمة والنصر الكبير الذى حفظ لمصر قناة السويس، وأنهى وجود الاحتلال على كل الأرض العربية، وفتح أمام شعوب العالم أبواب الحرية والتقدم. تأتى الذكرى العظيمة اليوم والعالم يمر بإحدى أخطر الأزمات التى تهدد الأمن والاستقرار العالميين، والنظام الدولى فقد كل فعاليته، وقوة القانون الدولى تتوارى لمصلحة قانون القوة.. أو هكذا تبدو الصورة لمَن لا يقرأ التاريخ ولا يستوعب دروسه.
تغير العالم كثيرًا فى سبعين عامًا. فى مواجهة العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦ كانت الحرب الباردة فى أوجها، وكان «الاتحاد السوفيتى»، سندًا وداعمًا لمصر ومع ذلك - وربما بسبب ذلك - كان النظام الدولى فاعلًا، ووجد الرئيس الأمريكى «أيزنهاور» يومها أن الوقوف مع القانون وضد عدوان الحلفاء هو ما يحقق مصلحة أمريكا كما يحقق مصلحة العالم. بعد سبعين عامًا نعيش سنوات مع الجريمة الإسرائيلية المستمرة فى حق العرب والإنسانية.
ترتكب إسرائيل حرب إبادة فى غزة وتواصل العربدة فى المنطقة، وتفلت - حتى الآن - من المحاسبة والعقاب؛ لأن هناك مَن يحميها ويفرض العقوبات على القضاة الدوليين إذا اقتربوا منها أو من قادتها الهاربين من العدالة. وفى آخر التعليمات يطلب الرئيس الأمريكى ترامب من مجرم الحرب نتنياهو أن يكتفى بالضربات المحددة والدقيقة فى لبنان فقط من أجل عدم الإضرار بسمعة إسرائيل. وليس لأن ما يرتكبه هو جريمة حرب ينبغى أن يتصدى لها النظام الدولى.. أو ما تبقى منه.
وبعد سبعين عامًا من حرب السويس، وفى انتظار نظام دولى جديد يعيد الاحترام للقانون، ومع حالة الفوضى التى تهدد استقرار العالم، يذكرنا الرئيس الأمريكى بالتغيرات فى علاقات القوى الكبرى، ويقول إن الرئيس الروسى بوتين - فى اتصال هاتفى- عرض المساعدة فى حل أزمة إيران، وأنه رد على ذلك بأن طلب منه التفرغ لإنهاء الحرب فى أوكرانيا. ومن أوكرانيا إلى إيران تتصاعد نذر الحرب وتحيط الألغام بموائد التفاوض، ويرتفع صوت القوة بديلًا للقانون بدلًا من أن تكون لحمايته.
الجملة العابرة التى قالها الملك تشارلز الثالث فى الكونجرس عن «العدوان الثلاثى» تستعيد تاريخًا ينبغى أن يكون حاضرًا على الدوام، لكنها - فيما يبدو- تخاطب عالمًا آخر مازال يبحث عن طريق آمن للمستقبل وسط صيحات تقول إن «العاصفة قادمة ولا يمكن إيقافها» جاءت العاصفة ذات يوم قبل سبعين عامًا، وتوقفت أمام صمود مصر العظيم، وأمام انتصار العالم كله للقانون الذى يحمى الحرية والعدالة، ويرفض العبث بأمن العالم واستقراره من أجل صورة - ولو زائفة - للانتصار.

الثلاثون من يونيو «٢»
وهكذا سقط حكم المرشد
يوم الخلاص






