رؤيتى

لغز 2.74 جنيه

حمدى كامل
حمدى كامل


فى توقيت شديد الحساسية، وقبل أسابيع من دخول فصل الصيف وارتفاع معدلات استهلاك الكهرباء، فوجئ ملايين المواطنين بحالة من الجدل الواسع بشأن تغيير نظام محاسبة العدادات الكودية، وتثبيت سعر موحد يبلغ 2.74 جنيه لكل كيلووات/ساعة من أول استهلاك حتى آخر الشهر، بدلًا من نظام الشرائح المتدرج الذى كان معمولًا به سابقًا.

وربما لا تكمن الأزمة فقط فى الرقم، وإنما فى توقيت القرار، وطريقة طرحه، وحجم الفئة التى يشملها، إذ نتحدث هنا عن أكثر من 3.5 مليون عداد كودى تمثل شريحة كبيرة من المواطنين، كثير منهم لجأوا إلى هذا النظام باعتباره الحل الوحيد للحصول على خدمة الكهرباء بشكل قانونى ومؤقت، لحين إنهاء إجراءات التصالح أو تقنين أوضاع وحداتهم السكنية.

المواطن البسيط لا ينظر إلى النصوص واللوائح بقدر ما ينظر إلى مبلغ الشحن فى نهاية الشهر، وعندما يجد نفسه كان يشحن بمبالغ تتراوح بين 300 و600 جنيه ثم يفاجأ بأن نفس الاستهلاك قد يكلفه أضعاف ذلك، فمن الطبيعى أن يتساءل: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصورة؟

لا أحد يختلف على حق الدولة فى استرداد تكلفة الخدمات، ولا أحد يعترض على مواجهة سرقات التيار أو تنظيم استهلاك الكهرباء، بل إن الدولة قطعت شوطا كبيرا فى تطوير الشبكات وتحسين الخدمة، وهو ما يلمسه المواطن يوميا. لكن الإدارة الرشيدة لأى ملف لا تقوم فقط على صحة القرار، بل أيضا على توقيته وعدالته ومدى تقبل المجتمع له.

العداد الكودي، كما نعلم، لم يكن منحة للمخالفين، بل أداة لتنظيم الاستهلاك ومنع العشوائية والفاقد، وبالتالى فإن تحويله فجأة إلى محاسبة بسعر التكلفة الكامل دون تدرج أو بدائل، قد يخلق شعورا لدى البعض بأن المواطن يتحمل وحده فاتورة التعقيدات الإدارية أو بطء إجراءات التقنين.. إن فرض سعر موحد، دون وجود نظام شرائح تدريجي، يؤدى إلى تحميل المواطن البسيط نفس التكلفة التى يتحملها أصحاب الدخول المرتفعة، مثل الفيلات والمنشآت الاستثمارية.

والسؤال الأهم: إذا كانت الدولة تريد تشجيع المواطنين على التصالح وتقنين الأوضاع، فلماذا لا يتم ربط هذا الملف بحوافز حقيقية؟ ولماذا لا يتم منح مهلة زمنية أو نظام شرائح انتقالية أو تسهيلات واضحة لمن يبدأ إجراءات التصالح؟. وتبرز نقطة جدل، إذ كان تطبيق  السعر الموحد مقتصراً على العدادات الكودية منذ 27 أغسطس 2024، ثم امتد ليشمل عدادات سابقة، ما أثار تساؤلات حول غياب الفترة الانتقالية.

 المطلوب ليس التراجع عن القرار، بل مراجعة آليات التنفيذ والاستماع لصوت المواطن، أو منح مهلة انتقالية لمدة 6 أشهر، مع استثناء من بادروا بالتقدم فى إجراءات التصالح، فالدولة القوية توازن بين الحفاظ على مواردها ومراعاة ظروف الناس.

وفى النهاية، يظل نجاح أى سياسة مرهونًا بوضوحها وعدالتها، وقدرتها على الوصول إلى المواطن دون أعباء مفاجئة.