سعر الصرف.. صمام الأمان الجديد للاقتصاد المصري

سعر الصرف.. صمام الأمان الجديد للاقتصاد المصري
سعر الصرف.. صمام الأمان الجديد للاقتصاد المصري


كتب : مهند علي.

تتحرك مصر على خيط دقيق بين موجات متلاحقة من الصدمات، في عالمٍ لا يمنح الاقتصادات رفاهية التقاط الأنفاس،  فكلما هدأت أزمة، أطلت أخرى من زاوية مختلفة؛ مرة عبر أسعار الطاقة، ومرة عبر سلاسل الإمداد، وأخرى من بوابة الجغرافيا السياسية.. وهنا قوة الاقتصاد فقط لا تُقاس بما يحققه من أرقام، بل بقدرته على الصمود أمام ما لا يمكن التنبؤ به.

في هذا السياق، تعكس أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي نبرة أكثر حذرًا، إذ خفض توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى نحو 4.2% خلال العام المالي الحالي، مقارنةً بـ4.7% في تقديراته السابقة، كما قلّص توقعاته للعام المقبل إلى 4.8%، وهذا التعديل لا يأتي بمعزل عن المشهد الإقليمي والعالمي، بل يعكس ضغوطًا متزايدة من ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات الحرب، إلى جانب بيئة دولية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ النمو.

ولا يختلف السياق كثيرًا على مستوى الاقتصاد العالمي، حيث خفّض الصندوق أيضًا توقعاته للنمو، مع تحذيرات من سيناريوهات أكثر تشددًا حال استمرار اضطراب أسواق الطاقة. وهو ما يضع الاقتصادات الناشئة، ومن بينها مصر، أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على زخم الإصلاح من جهة، وامتصاص الصدمات الخارجية من جهة أخرى.

في المقابل، تبدو قراءة وكالات التصنيف الائتماني أكثر توازنًا؛ فقد أبقت وكالة موديز على تصنيف مصر عند Caa1 مع نظرة مستقبلية إيجابية، في إشارة إلى صمود الإصلاحات الاقتصادية، مدعومة بتحقيق فوائض أولية ملحوظة وتركيز البنك المركزي على احتواء التضخم. غير أن هذه الإشارات الإيجابية تصطدم بواقع مالي ضاغط، حيث تلتهم مدفوعات الفائدة نحو 63% من الإيرادات العامة، ما يحد من قدرة المالية العامة على امتصاص الصدمات.

وفي الاتجاه ذاته، ثبتت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف عند B/B مع نظرة مستقرة، تعكس توازنًا بين آفاق النمو المدعومة بالإصلاحات، والمخاطر الجيوسياسية المتصاعدة. ورغم تحسن الاحتياطيات الدولية واقترابها من 53 مليار دولار، يظل الوضع الخارجي عرضة لتقلبات التدفقات الأجنبية، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية.

لكن في قلب هذا المشهد المعقد، يبرز عامل حاسم في معادلة الصمود: سياسة سعر الصرف. فخلال موجات خروج التدفقات الأجنبية التي تجاوزت 8 مليارات دولار مع تصاعد التوترات الإقليمية، لم يلجأ البنك المركزي إلى الدفاع التقليدي عن العملة عبر استنزاف الاحتياطيات، بل سمح للجنيه بالتحرك كأداة امتصاص للصدمات. هذه المرونة لم تمنع التقلبات، لكنها حدّت من انتقالها إلى ميزان المدفوعات، وحافظت على مستوى مريح نسبيًا من الاحتياطيات، في لحظة كان يمكن أن تتآكل فيها سريعًا.

هنا، لم يعد سعر الصرف مجرد رقم في سوق النقد، بل تحوّل إلى صمام أمان للاقتصاد. فبدلًا من تراكم الاختلالات في صورة نقص حاد في العملة الأجنبية أو قيود على الاستيراد، جرى توزيع أثر الصدمة على سعر العملة نفسه، بما أتاح إعادة التوازن تدريجيًا. هذه المقاربة، رغم كلفتها التضخمية على المدى القصير، منحت الاقتصاد قدرًا أكبر من المرونة، وساعدت على تجنب سيناريوهات أكثر حدة شهدتها فترات سابقة.

كما أن امتناع البنك المركزي عن التدخل المباشر عزّز من مصداقية السياسة النقدية، ووجّه إشارة واضحة للمستثمرين بأن السوق أصبح أكثر تحررًا وقدرة على التسعير وفقًا للعرض والطلب. وهو ما انعكس لاحقًا في عودة تدريجية لبعض التدفقات، إلى جانب دعم أكبر من المؤسسات الدولية، التي تنظر إلى مرونة سعر الصرف كأحد أعمدة الاستقرار الكلي.

ومع ذلك، فإن هذه السياسة لا تعمل في فراغ. فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب إمدادات الغاز، واستمرار الضغوط الجيوسياسية، تفرض تكلفة إضافية على الاقتصاد، سواء عبر زيادة فاتورة الواردات أو تأجيل مسار خفض التضخم. وهنا تتداخل أدوار السياسات، حيث يصبح التنسيق بين السياسة النقدية والمالية ضرورة، لضمان احتواء الأثر دون إبطاء زخم التعافي.

ومع كل ذلك، يبقى التحدي قائمًا: فنجاح هذه المنظومة لا يتوقف فقط على قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة وسعر الصرف، بل على مدى تقدم الإصلاحات الهيكلية نفسها، خاصة ما يتعلق ببيئة الاستثمار، وتنافسية الاقتصاد، وقدرته على جذب تدفقات مستقرة، فكلما تسارعت هذه الإصلاحات، تحولت مرونة العملة من أداة دفاع إلى رافعة للنمو.