يوميات الأخبار

د. زاهى حواس يكتب: نفرتيتى وتحقيق العدالة الثقافية

د. زاهى حواس
د. زاهى حواس


خضعت المنطقة المحيطة بأبو الهول لعمليات حفائر دقيقة وشاملة عبر عقود طويلة، ولم يُعثر على أى بقايا أو آثار تشير إلى وجود تمثال آخر مماثل، لا قاعدة، ولا أجزاء مكسورة، ولا حتى دلائل معمارية.
 

الأهلى لا يتأثر بفترة تراجع

عندما نشاهد أى برنامج رياضى هذه الأيام، نجد أن الحديث عن النادى الأهلى وفريق الكرة أصبح مملًا إلى حد كبير، خاصة مع وجود بعض المحللين الذين يروجون لأخبار غير دقيقة، بل أحيانًا مختلقة، سواء عن المدرب أو عن الإدارة، وهو أمر لا يخدم الكرة المصرية ولا يضيف أى قيمة حقيقية للنقاش.

هناك أيضًا من يهاجم الكابتن محمود الخطيب بسبب خروج الفريق من دورى أبطال إفريقيا، وكأن هذا الأمر لم يحدث من قبل لأى فريق فى العالم. الحقيقة أن كرة القدم لا تسير على وتيرة واحدة، ولا يوجد فريق يستمر فى القمة إلى الأبد. ومع ذلك، يجب أن نعترف أن الأهلى حقق فى عهد الخطيب إنجازات وبطولات غير مسبوقة مقارنة بعصور سابقة. وفى المقابل، يحمّل البعض المدرب المسئولية الكاملة، وهو أمر أراه غير دقيق. المدرب ليس السبب المباشر فى تراجع الفريق، لأن المشكلة الحقيقية تكمن فى شخصية الفريق نفسه.

يمكنك أن تأتى بأفضل مدرب فى العالم، ولكن بدون وجود شخصية قوية داخل غرفة الملابس، وانضباط واضح، لن يتحقق أى تطور حقيقى. الأهلى يحتاج إلى قيادة قوية تعيد الهيبة، وتجعل كل لاعب يدرك قيمة القميص الذى يرتديه. أتذكر موقفًا شخصيًا عندما التقيت بالكابتن حمادة إمام، وتحدثنا عن الفرق بين الأهلى والزمالك، فقال جملة لا تُنسى: «المدرب ليس فقط بعلمه، بل بشخصيته». المدرب الناجح هو من يفرض احترامه على اللاعبين، ويخلق حالة من الانضباط داخل الفريق، دون الاعتماد على نجم بعينه، بل على منظومة متكاملة. ومن النقاط المثيرة للجدل أيضًا، إعلان العقوبات داخل النادى على الملأ.

لا أرى أن هذا الأسلوب صحيح، فمثل هذه الأمور يجب أن تُدار داخل جدران النادى، حفاظًا على استقرار الفريق وتركيزه. لا نرى هذا يحدث بنفس الشكل فى أندية أخرى، فلماذا يحدث هنا؟ فى رأيى، الإصلاح الحقيقى يبدأ بإعادة ترتيب الأدوار داخل الإدارة، وربما يكون من الأفضل عودة الكابتن سيد عبد الحفيظ لمنصب مدير الكرة، لما يمتلكه من خبرة وشخصية قادرة على فرض الانضباط والاستقرار داخل الفريق. فى النهاية، الأهلى سيظل ناديًا كبيرًا، وتاريخه لا يتأثر بفترة تراجع، لكن الحفاظ على هذا الكيان يتطلب قرارات قوية، ورؤية واضحة، تعيد للفريق شخصيته وهيبته داخل الملعب وخارجه.

أبو الهول الثانى!

فى الآونة الأخيرة، تكررت ادعاءات من بعض الباحثين الإيطاليين حول وجود «أبو الهول الثانى» بجوار تمثال أبو الهول الحالى، بل وتجاوزت هذه الادعاءات ذلك، لتشمل الحديث عن أعمدة ضخمة على عمق 60 مترًا أسفل الهرم الثانى، ومدينة كاملة تمتد إلى عمق يصل إلى 1000 متر تحت الهضبة. وقد طُرحت هذه الأفكار حتى فى نقاشات إعلامية مثل الحوار مع Joe Rogan، ما أعطاها انتشارًا واسعًا رغم ضعفها العلمى. الحقيقة أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أسس علمية سليمة. فالتقنيات التى استُخدمت، مثل ما يُعرف بالتصوير الجيوفيزيائى لا يتجاوز مداها العملى نحو 15 مترًا فى أفضل الأحوال، وهو ما يجعل الحديث عن أعماق تصل إلى مئات الأمتار أمرًا غير واقعى. كما أن طبيعة هضبة الجيزة نفسها معروفة جيدًا؛ فالأهرامات، ومنها الهرم الثانى، قد نُحتت قواعدها فى الصخر الطبيعى بعمق يصل إلى نحو 10 أمتار، مما ينفى تمامًا وجود فراغات أو منشآت عميقة بهذا الشكل الخيالى. 

فكرة «أبو الهول الثانى» ليست جديدة، بل أُثيرت من قبل دون أى دليل أثرى يدعمها. وقد خضعت المنطقة المحيطة بأبو الهول لعمليات حفائر دقيقة وشاملة عبر عقود طويلة، ولم يُعثر على أى بقايا أو آثار تشير إلى وجود تمثال آخر مماثل، لا قاعدة، ولا أجزاء مكسورة، ولا حتى دلائل معمارية. يستند البعض فى هذه الفرضية إلى فكرة التماثل فى الفن المصرى القديم. نعم، اعتمد المصرى القديم على التوازن فى التصميم، لكنه لم يكن ملزمًا بتكرار العناصر الضخمة مثل تمثال أبو الهول بشكل مزدوج. والدليل الأهم يأتى من لوحة الحلم التى تعود إلى عصر الدولة الحديثة، حيث ورد النص الهيروغليفى بصيغة المفرد، مشيرًا إلى «حور إم أخت» ككيان واحد، وليس مزدوجًا.

كما أن بعض النظريات تتحدث عن تدمير التمثال الثانى بفعل صاعقة، وهو طرح يفتقر إلى المنطق العلمى. فالصواعق لا يمكن أن تُدمر تمثالًا حجريًا ضخمًا بالكامل دون أن تترك أى أثر مادى، كقاعدة أو أجزاء متناثرة. وإذا افترضنا جدلًا حدوث ذلك، فلماذا لم يتأثر التمثال الحالى بنفس الشكل؟ وعند فحص الموقع الذى يُزعم وجود أبو الهول الثانى فيه، نجد أنه يحتوى بالفعل على بقايا أثرية معروفة، مثل منطقة مدينة الملكة خنتكاوس، مما يؤكد أن المنطقة ليست مجهولة. فى النهاية، تندرج هذه الادعاءات ضمن محاولات إثارة الجدل أكثر من كونها طرحًا علميًا جادًا. علم الآثار يقوم على الدليل، لا على الافتراضات، وكل ما لدينا من شواهد أثرية ونصوص تاريخية يؤكد أن أبو الهول تمثال فريد، وبالتالى، فإن فكرة «أبو الهول الثانى» ليست سوى وهم، سرعان ما يختفى أمام الحقائق العلمية الراسخة.

عودة الملكة نفرتيتى

أعتقد أن هناك خطوات جادة الآن تشير إلى وجود احتمال كبير لعودة تمثال الملكة نفرتيتى من برلين إلى مصر. هذا الملف لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ منذ سنوات طويلة من العمل والسعى المستمر.

لقد أرسلت فى 2 يناير 2011 أول وأهم خطاب رسمى للمطالبة بعودة التمثال، وذلك بعلم وموافقة رئيس الوزراء فى ذلك الوقت. وجاءنا الرد يوم 28 من الشهر نفسه، حيث طُلب أن يكون الخطاب موقعًا من الوزير المختص. وبالفعل، أصبحت وزيرًا فى ذلك الوقت، إلا أن أحداث يناير 2011 حالت دون استكمال هذا المسار، ومنعتنى من الرد فى حينه.

وأود هنا أن أتوجه بالتحية والتقدير إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى، الذى يتابع هذه الحملة باستمرار، ويوجه وزارة السياحة والآثار لدعم هذا الملف، وهو ما يعكس احترام الدولة المصرية لتراثها الحضارى وحرصها على استعادته.

واليوم، هناك وثيقة متاحة على الإنترنت، يُطلب من محبى الحضارة المصرية حول العالم التوقيع عليها، بهدف الوصول إلى مليون توقيع دعمًا لعودة نفرتيتى. أما الجديد فى هذا الملف، فيتمثل فى إطلاق تحالف قانونى وسياسى متطوع بقيادة محرم وشركاه، بالتعاون مع مؤسسة د. زاهى حواس للتراث والآثار،  لوضع خارطة طريق متكاملة تهدف إلى دمج الخبرة الأثرية مع السياسات الدولية، من أجل دعم حملة استرداد نفرتيتى. وقد عُقد اجتماع مهم برئاسة الأستاذ مصطفى محرم، رئيس مجلس إدارة الشركة، وبمشاركة نخبة من السفراء والشخصيات العامة، من بينهم السفيرة منى عمر، والدكتور ممدوح الدماطى، والدكتور مصطفى البهبيتى، والدكتور محمد إسماعيل، والدكتور محمد عبد الفتاح، لوضع رؤية واضحة للتعاون المشترك، وتحويل الملف إلى قضية رأى عام عالمى، تخاطب صناع القرار، وتسعى لإقناع المؤسسات الألمانية بعدالة مطلب مصر فى استعادة التمثال، الذى خرج من مصر فى ظروف يحيط بها الجدل. كما تتضمن الخطة العمل على كسب دعم الصحف والإعلام الألمانى، من أجل إبراز أن استرجاع نفرتيتى يعد خطوة نحو تحقيق العدالة الثقافية واحترام تاريخ الشعوب.

تجربة يُحتذى بها عالميًا

لن أنسى هذه اللحظة أبدًا، عندما وقف رئيس جمهورية بيرو فى ميدان عام بالعاصمة ليما، وقال أمام الجميع: «تجربة مصر فى استعادة الآثار يجب أن يُحتذى بها عالميًا».

كانت شهادة أعتز بها كثيرًا، لأنها جاءت نتيجة تجربة حقيقية نجحت فى إعادة الحق إلى أصحابه. تبدأ القصة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، عندما أرسلت بيرو مجموعة  نادرة من آثارها، تُقدّر بنحو 4000 قطعة، تحكى تاريخ حضارة عظيمة، إلى جامعة ييل فى الولايات المتحدة. ومع مرور الوقت، بدأت بيرو تطالب بعودة هذه الآثار، لكن الجامعة لم تستجب. ومع مرور السنوات، بدأ الإحساس يتسلل بأن هذه القطع قد ضاعت. فى تلك الفترة، كنت أشغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، حين تلقيت اتصالًا من سفير بيرو فى القاهرة، يُبلغنى بأن وزير خارجية بلاده سيصل إلى مصر ويرغب فى لقائى.

رحبت بهذا اللقاء، وبالفعل حضر الوزير وشرح لى بالتفصيل أزمة آثار ماتشو بيتشو، وفى نهاية حديثه، قال لى إنه سأل رئيس الجمعية الجغرافية عن حل، فجاءه الرد: «زاهى حواس يستطيع أن يعيد لكم الآثار».

قلت له بثقة: إذا نفذتم ما سأقوله لكم بدقة، ستعود الآثار إليكم على الفور. شرحت له أن رؤساء الجامعات فى الولايات المتحدة يخشون على سمعتهم الأكاديمية، وأن مجرد ذكر أسمائهم فى قضايا قانونية علنية قد يؤثر بشكل كبير على مستقبلهم. لذلك نصحته بأن يُعلن أن بيرو قررت رفع دعوى قضائية ضد جامعة ييل، وأن يتم تداول اسم رئيس الجامعة فى وسائل الإعلام. وبالفعل، تم تنفيذ هذه الخطوة. وقبل أن يغادر وزير الخارجية مصر، جاءه اتصال من رئيس الجامعة، معلنًا استعداده لإعادة الآثار فورًا. كانت لحظة انتصار حقيقية، ليس فقط لبيرو، بل لفكرة أن الإرادة القوية، المدعومة بخطة ذكية، قادرة على استعادة الحقوق مهما طال الزمن. وفى مشهد لن أنساه، قام رئيس بيرو بتكريمى فى ميدان عام، ومنحنى أحد أرفع الأوسمة تقديرًا لهذا الدور.

لكننى أؤكد دائمًا أن هذا التكريم هو فى الأساس لمصر، ولتجربتها الرائدة فى استعادة آثارها المنهوبة. لهذا، أقولها بكل ثقة: تجربة مصر يجب أن يُحتذى بها عالميًا.