شروق شكرى
إذا وقفت فى صحن مسجد أحمد بن طولون، ستشعر للوهلة الأولى بهدوء مهيب، سكينة لا يشعر بها إلا من زار هذا المكان، جدران تحمل تاريخاً متفردًا، مساحات شاسعة، مئذنة حلزونية فريدة من نوعها تعانق السماء كأنها شاهد عيان على قصة رجل أراد أن يُخلد اسمه بـ«بناء لا تأكله النار ولا تغرقه المياه».
أراد أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية، أن يبنى مسجداً يكون «دُرة تاجه» فى عاصمته الجديدة، لم يكن يريد مسجداً عادياً، بل صرحاً يقاوم تقلبات الزمن.. استدعى «ابن طولون» المهندس القبطى (سعيد بن كاتب الفرغاني) البارع فى الهندسة والفنون.. وقال له جملته الشهيرة «أريد بناءً إذا احترقت مصر بقي، وإذا غرقت بقي»، وبالفعل تم اختيار «جبل يشكر» المرتفع لبناء المسجد. يُقال فى إحدى الروايات المتواترة وإن كانت ضعيفة أنه المكان الذى رست عليه سفينة نوح، بُنى المسجد عليه لضمان أن يكون بعيداً عن الغرق، واستُخدم الطوب الأحمر المحروق فى بنائِهِ لحماية المبنى من النيران حتى وإن اشتعلت القاهرة بأكملها، فى براعة هندسية لم يسبق لها مثيل .
وكان المسجد فى غاية الفن الهندسى والإتقان، وتكلف البناء مائة وعشرين ألفاً من الدنانير، ووزع ابن طولون الكثير من الصدقات يوم افتتاح المسجد .
ولكن الغريب ليس فيما هو فات - بل فيما هو آتٍ» رسالة ربانية لأحمد بن طولون، رأى ابن طولون فى منامه أن ناراً نزلت من السماء فأخذت المسجد دون سواه ، وفسرها العلماء بقبول الله المسجد، وبالفعل اندثرت مدينة «القطائع» التى بُنى فيها المسجد وبقى المسجد شامخاً.
وشهد مسجد أحمد بن طولون مراحل وفترات تاريخية مختلفة، حتى استقراره الآن بصورته التى أعادتهُ لها لجنة حفظ الآثار العربية، مروراً بالخلافة الفاطمية التى كان لهُ فيها الحظ الأوفر والأسعد، كمسجد نال اهتماماً واسعاً وكبيراً من الخلفاء الفاطميين.. أهم تجديد شهده المسجد كان على يد السلطان حسام الدين لاجين (696هـ/1297م) الذى جدد المئذنة والميضأة، وأعمال الترميم الشاملة بين (1890-1918م) فى عهد الملك فؤاد الأول، وآخرها ترميمات شاملة لزخارفه ودعاماته بدأت عام 2005 ضمن مشروع القاهرة التاريخية للحفاظ على طابعه الفاطمى والمملوكى الفريد .
وهذا المسجد صدق مقولة «عندما يسكت البشر لينطِق الحجر ويحكى تاريخ «... كانت الحجارة « الكتلة الصامتة « فقط كفيلة أن تعبر عن الفن والأصالة والحضارة ، تراث معمارى يُعد من أهم التراث المعمارى الباقى الى الان.. إن زيارة مسجد «أحمد بن طولون» فى حى السيدة زينب ليست مجرد جولة سياحية ، بل هى رحلة عبر الزمن لاستنشاق عبق التاريخ الطولونى ، فإذا أردت ان ترى القاهرة من منظور مختلف ، فلا تفوت فرصة الصعود فوق مئذنته الفريدة ، هناك فقط ستُدرك لماذا أقسمَ مؤسسه أن يبنى صرحاً لا تهزمه النيران ، ولا تمحوه السنين ، هناك فقط سترى قوة الفكرة مع براعة التنفيذ .
جوهرة الدولة المملوكية| «المؤيد شيخ» حكاية سلطان «نذر» بناء مسجده فوق سجنه
تدريب طلاب المستقبل| انطلاق منتدى التعليم التقنى والمهنى لدول المتوسط
خبز الأجداد يعـــود| «الساور دو» من الفراعنة إلى «الترند»







