كشفت وتيرة التحركات العسكرية الكورية الشمالية خلال الأسابيع الأخيرة عن محاولة واضحة من بيونج يانج لاستثمار انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران، عبر تسريع برنامجها العسكري وتوسيع قدراتها الصاروخية والنووية في توقيت حساس يشهد انشغالًا أمريكيًا متزايدًا بملفات الشرق الأوسط.
وبينما تركز واشنطن ثقلها السياسي والعسكري على التصعيد مع طهران، تبدو كوريا الشمالية وكأنها تتحرك في مساحة أقل ضغطًا، مستفيدة من تراجع التركيز الدولي على شرق آسيا لإعادة ترتيب أولويات الردع وتثبيت معادلات قوة جديدة.
ومنذ اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في أواخر فبراير، رفعت بيونج يانج من وتيرة اختبارات السلاح بشكل لافت، في إشارة قرأها محللون باعتبارها محاولة محسوبة لاختبار حدود الرد الأمريكي، وفرض واقع عسكري جديد بالتوازي مع التحولات الدولية المتسارعة.
وبحس الوكالة الفرنسية «أ ف ب»، قالت تقديرات غربية وآسيوية إن كوريا الشمالية لا تنظر إلى التصعيد في الشرق الأوسط باعتباره أزمة بعيدة، بل فرصة استراتيجية لتسريع مشاريع كانت تتحرك سابقًا بوتيرة أكثر حذرًا.
اقرأ أيضًا| بحضور كيم.. كوريا الشمالية تجري تجارب صاروخية جديدة
اختبارات متسارعة في توقيت محسوب
أفادت تقديرات متابعة للأنشطة العسكرية الكورية الشمالية بأن بيونج يانج أجرت خمسة اختبارات صاروخية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، بينها أربعة اختبارات خلال أبريل وحده، في أعلى معدل شهري منذ يناير 2024.
ويعكس هذا التسارع، بحسب محللين، قرارًا سياسيًا وعسكريًا باستغلال انشغال واشنطن في الشرق الأوسط لتكثيف اختبارات السلاح، ورفع وتيرة تطوير القدرات الهجومية في وقت يتراجع فيه التركيز الأمريكي على شبه الجزيرة الكورية.
وكشف خبراء في شؤون شرق آسيا أن كوريا الشمالية تنظر إلى المشهد الدولي الحالي باعتباره فرصة مواتية لتسريع برنامجها العسكري، في ظل انشغال القوى الكبرى بأزمات متزامنة وتراجع فعالية أدوات الردع التقليدية.
وأوضح الخبير في شؤون كوريا الشمالية بجامعة كيونجنام ليم أول-تشول أن بيونج يانج ترى أن النظام الدولي يمر بمرحلة "سيولة أمنية" تراجعت فيها فعالية القواعد والمعايير التقليدية، ما يمنحها مساحة أوسع لاستكمال تطوير ترسانتها النووية.
وجاء التسارع العسكري بعد وقت قصير من انعقاد مؤتمر حزب العمال الحاكم في فبراير، وهو الاجتماع الذي يُعقد كل خمس سنوات لتحديد التوجهات الاستراتيجية للدولة.
وأفاد باحثون بأن ما أعقب المؤتمر يعكس ترجمة عملية لتوجهات أُقرت داخليًا، خصوصًا بعد تأكيد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون أن الوضع النووي لبلاده "دائم وغير قابل للتراجع"، في رسالة فسّرها مراقبون باعتبارها تثبيتًا رسميًا لخيار الردع النووي كمسار ثابت.
صواريخ متنوعة ورسائل متعددة
شملت الاختبارات الأخيرة مجموعة متنوعة من الأسلحة، بينها صواريخ بالستية محظورة بموجب العقوبات الدولية، إلى جانب صواريخ كروز مضادة للسفن، وأنظمة تكتيكية مزودة بذخائر عنقودية.
ويشير هذا التنوع، وفق خبراء، إلى أن كوريا الشمالية لا تركز فقط على تطوير الردع النووي، بل تعمل أيضًا على تحسين أدوات القتال التقليدي، بما يمنحها مرونة أكبر في إدارة أي مواجهة محتملة.
وأفاد محللون بأن بيونج يانج أحرزت تقدمًا ملحوظًا في تطوير قدرات هجومية أكثر تعقيدًا، تشمل استخدام أسلحة مزدوجة المهام تجمع بين الاستخدام التقليدي والنووي.
وأشار ليم أول-تشول إلى أن كوريا الشمالية تبدو أقرب إلى امتلاك قدرة تشغيلية على استخدام رؤوس نووية مصغّرة، إلى جانب تنفيذ ما يُعرف بـ"هجمات الإغراق"، وهي تكتيكات تعتمد على إطلاق كثيف ومتزامن للمقذوفات بهدف إرباك أنظمة الدفاع الجوي وتشتيت قدرتها على الاعتراض.
واشنطن منشغلة.. وبيونج يانج تسرّع
يرى خبراء أن القيادة الكورية الشمالية تعتبر التوقيت الحالي مناسبًا لتسريع بناء قدراتها الهجومية، انطلاقًا من تقدير مفاده أن انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يحد من قدرتها على فتح جبهة ضغط موازية في آسيا.
وبحسب هذه القراءة، فإن بيونج يانج تسعى إلى استغلال الانشغال الأمريكي ليس فقط لتطوير السلاح، بل أيضًا لاختبار حدود الردع الأمريكي ومدى استعداد واشنطن للعودة إلى سياسة الضغط القصوى في شرق آسيا.
موقف حذر من حرب إيران
أدانت كوريا الشمالية الهجمات الأمريكية على إيران ووصفتها بأنها "أعمال غير مقبولة"، لكنها في المقابل حافظت على مسافة سياسية محسوبة من التصعيد، ولم تُظهر انخراطًا عسكريًا مباشرًا إلى جانب طهران.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس رغبة بيونج يانج في الاستفادة من الأزمة دون الانزلاق إلى تبعاتها، خاصة أنها لم توجه انتقادات مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سبق أن التقى كيم جونج أون ثلاث مرات.
ويتزامن هذا التصعيد مع عودة الحديث عن احتمال عقد قمة جديدة بين ترامب وكيم جونج أون، بالتزامن مع زيارة مرتقبة للرئيس الأمريكي إلى الصين في مايو.
ورغم إعادة طرح فكرة القمة، تشير التقديرات إلى أن فرص تحقيق اختراق حقيقي لا تزال محدودة، خصوصًا مع تمسك بيونج يانج برفض أي نقاش حول نزع سلاحها النووي، وهو الشرط الذي لا تزال واشنطن تعتبره أساس أي تفاوض.
وترى تقديرات سياسية أن كوريا الشمالية لا تتحرك فقط بدافع استغلال انشغال واشنطن، بل أيضًا استنادًا إلى ثقة متزايدة ناتجة عن تعميق شراكتها مع روسيا.
وأفاد محللون بأن الدعم الاقتصادي والتقني الذي وفرته موسكو لبيونج يانج، مقابل مساهمات كورية شمالية في الحرب الأوكرانية، منح كوريا الشمالية هامشًا أوسع للتحرك، وقلل من تأثير العقوبات الغربية عليها.
عقوبات أقل تأثيرًا
وكشفت التطورات الأخيرة عن انتقال التعاون بين موسكو وبيونج يانج من التنسيق السياسي إلى مشاريع بنية تحتية وتعاون اقتصادي مباشر.
وشهدت العلاقات بين البلدين افتتاح أول جسر بري يربطهما، إلى جانب بدء إنشاء "مستشفى صداقة" في وونسان، فضلًا عن مناقشات حول تعاون زراعي في مناطق أوكرانية خاضعة لسيطرة روسيا، في مؤشر على أن الشراكة بين الطرفين باتت تتجاوز الاعتبارات الرمزية إلى مصالح عملية طويلة الأمد.
يرى خبراء أن أحد أهداف بيونج يانج من هذا التحرك هو توجيه رسالة مفادها أن العقوبات الدولية فقدت كثيرًا من فاعليتها، في ظل وجود شريك كبير مثل روسيا يوفر غطاءً اقتصاديًا وسياسيًا.
وبحسب هذه القراءة، فإن كوريا الشمالية تسعى إلى إظهار أنها لم تعد تتحرك كدولة معزولة، بل كطرف يملك هامشًا أوسع للمناورة، مستفيدًا من التحولات الدولية والانقسامات المتزايدة بين القوى الكبرى.
اقرأ أيضًا| نيوزيلندا ترفض اتهامات الصين لها بالقيام أنشطة «تخريبية» في مجالها الجوي


بعد اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. تطورات الوضع «الأمريكي - الإيراني»
الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران







