ربما لا يعرف كثير من المترددين على مكتب بريد «صلاح الدين» الواقع فى شارع «أبو الدردار» بوسط الإسكندرية، أنهم يجلسون فى أقدم مكتب بريد عرفته مصر ولا يزال يعمل حتى الآن، فمن «عروس البحر المتوسط» انطلقت فكرة البريد فى بدايات القرن التاسع عشر للتحول بعد ذلك إلى خدمة مهمة ومتواصلة حتى الآن.
بدأت القصة خلال النصف الأول من القرن الـ19 حينما قررت الجاليات الأجنبية فى مصر إنشاء مكاتب متخصصة لنقل المراسلات بين المحافظات المختلفة، وكانت تتركز بشكل أساسى على كبار التجار ورجال الأعمال، ثم تطورت الفكرة إلى أن تحولت إلى هيئة البريد المعروفة فى وقتنا الحالى.
وقال الكاتب والمترجم ميسرة صلاح الدين فى تصريح خاص إن الإسكندرية شهدت على مدار التاريخ انطلاق العديد من الهيئات الخدمية مثل هيئة البريد ومرفق الإسعاف، ثم انتشرت بعد ذلك فى المحافظات الأخرى، لافتاً إلى أن هذا التميز لم يقتصر على المرافق الخدمية فقط، بل شهدت الإسكندرية أيضاً أول عرض سينمائى فى مصر، على سبيل المثال لا الحصر.
وأضاف: «فيما يخص البريد، فالفكرة بدأت فى بدايات القرن التاسع عشر حينما كانت للأجانب امتيازات تسمى (الامتيازات الأجنبية)، وكان لديهم مكاتب لنقل الرسائل الخاصة بالشحن بشكل مستقل»، موضحاً أن كل جالية كانت تمتلك مكاتب خاصة بها فكانت للجالية الإنجليزية مكاتبها الخاصة، وكذلك الإيطالية واليونانية.
وأوضح أن هذه المكاتب كانت كأى نشاط تجارى تهدف إلى تقديم خدمات بمقابل مادي، مشيراً إلى أنها تركزت فى البداية فى محافظة الإسكندرية، ثم محافظات القناة (بورسعيد والسويس).
ويشير صلاح الدين إلى أن خدمة «التلغراف» فى البداية لم تكن تابعة لهيئة البريد، بل كانت ملحقة بهيئة السكك الحديدية؛ إذ كانت هذه الخدمة مقتصرة على حركة القطارات وتقديم الخدمة للعائلة المالكة فى مصر.
ومن الطرائف التى يوردها صلاح الدين، أن من أوائل المصريين الذين عملوا فى خدمة التلغراف هو المناضل المصرى «عبد الله النديم» المولود فى الإسكندرية..
ولفت إلى أن أقدم صندوق بريد فى مصر متواجد حاليا فى شارع فؤاد بوسط البلد ولا يزال موجودًا حتى الآن.. وأشار صلاح الدين إلى أن أول مكتب بريد عرفته الإسكندرية كان فى «ميدان القناصل» بمنطقة المنشية على يد الإيطالى «كارلو ميراتي»، وكان مكتباً مستقلاً يقوم بعملية التوزيع الخاصة بالجاليات الأجنبية، لافتاً إلى أن المكتب الثانى الموجود حاليا فى شارع «أبو الدردار» بحى اللبان هو أقدم مكتب لا يزال يعمل حتى الآن، وقد أُنشئ فى الفترة الزمنية ذاتها..
وقال إن «ميراتي» أنشأ شبكة مكاتب فى الإسكندرية والقاهرة لتقديم الخدمات للجالية الأوروبية، وكانت تسمى وقتها بـ «البوسطة الأوروبية»، مبيناً أن ميراتى كان يقدم الخدمة لجميع الأوروبيين بخلاف التجارب السابقة.. ومع قدوم الخديوى إسماعيل إلى الحكم، قرر تطوير فكرة «البوسطة»، وبالفعل قام بشراء المكاتب من ورثة «كارلو ميراتي»، وعيّن آنذاك أحد ورثته مديراً عاماً للبريد، لتنتشر الخدمة فى جميع المحافظات وتشمل الفئات كافة.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







