بطولات لا يعرف تفاصيلها إلا من عاشها
لم تكن معركة تحرير سيناء مواجهة عسكرية تقليدية فقط، بل كانت حربًا خفية دارت بالتوازى، قادها أبناء سيناء بإمكانات بسيطة وإرادة صلبة. فى قلب هذه الحرب، برز دور أكثر من ٧٠٠ مناضل شكّلوا شبكة مقاومة امتدت عبر القرى والوديان، وأسهمت بشكل مباشر فى إضعاف الاحتلال الإسرائيلى وتمهيد الطريق لنصر أكتوبر.
اعتمدت هذه الشبكة على الرصد الدقيق لتحركات العدو، ونقل المعلومات إلى القيادة المصرية، إلى جانب تنفيذ عمليات نوعية ضد المواقع الإسرائيلية. ولم تكن المقاومة حكرًا على فئة بعينها، بل شارك فيها الجميع؛ شباب، شيوخ، ورعاة غنم، استغلوا معرفتهم بطبيعة الأرض لإدارة مهام سرية بالغة التعقيد. ومن أشهر البطولات، برز اسم المجاهد حسن على خلف، الملقب بـ “النمر الأسود”، الذى نفذ عمليات جريئة استهدفت مواقع إسرائيلية مهمة فى العريش، قبل أن يقع فى الأسر ويتعرض للتعذيب.
كما لمع اسم عمران سالم عمران، المعروف بـ “ديب سيناء”، الذى شارك فى عشرات العمليات النوعية، من بينها قطع خطوط الإمداد ونسف مواقع عسكرية، فيما برز موسى الرويشد، “مهندس الألغام”، الذى تخصص فى زرع الألغام فى طرق تحركات القوات الإسرائيلية، ونجح فى إلحاق خسائر كبيرة بها.
ولم تقتصر البطولة على الرجال فقط، فقد كان للمرأة السيناوية حضور لافت فى مشهد المقاومة؛ حيث برزت المناضلة فرحانة حسين سلامة الهشة، الملقبة بـ “شيخة المجاهدات”، التى شاركت فى تنفيذ عمليات فدائية، من بينها تفجير قطار للعدو ونقل الذخائر والرسائل. كما ظهرت بطولات فهيمة، التى حملت أجهزة اللاسلكى ونقلت الإمدادات، وهى أول سيدة كرمها رئيس الجمهورية بنوط الشجاعة من الطبقة الأولى، حيث لعبت دورًا فى إيواء أحد الفدائيين المطلوبين فى منزلها لفترة طويلة، بعد أن حفرت له حفرة كبيرة وضعته فيها وغطته بأكوام من الحطب.
وفى السياق نفسه، لعبت هند دورًا إنسانيًا مهمًا، حيث كانت تجوب الصحراء بحثًا عن الجنود المصابين لإيوائهم وعلاجهم داخل خيام البدو، مستغلة تحركاتها لتضليل قوات الاحتلال. كما برزت وداد حجاب، التى تنكرت فى زى ممرضة، لنقل رسائل المجاهدين والمعلومات إلى أجهزة المخابرات المصرية، فى واحدة من أخطر مهام الدعم خلال تلك الفترة.
وفى هذا السياق، يؤكد الشيخ عبدالله سليم جهامة، رئيس جمعية مجاهدى سيناء، أن ما قدمه هؤلاء المناضلون يتجاوز ما يمكن توثيقه، قائلاً: “الحديث عن هؤلاء الأبطال لا يمكن أن يوفى حقهم بالكامل، فهناك العديد من التفاصيل التى لا يعرفها سوى من عاصروا تلك الحقبة، لكن ما قاموا به كان فخرًا لكل المصريين”.
ويضيف أن المقاومة لم تكن مجرد عمليات فردية، بل حالة مجتمعية شاملة، موضحًا: “لم تقتصر على مجموعة صغيرة، بل كان لها صدى فى كل قرية ومدينة، حيث شاركت مختلف الفئات، حتى البسطاء مثل رعاة الغنم، وكان لهم دور مهم فى مراقبة تحركات العدو ونقلها”.
هذه المعلومات التى جمعها أبناء سيناء لعبت دورًا حاسمًا فى استهداف نقاط ضعف الاحتلال، وأسهمت فى نجاح العمليات العسكرية التى سبقت حرب أكتوبر 1973، حيث كانت دقة المعلومات وسرعة نقلها عاملًا فارقًا فى تحقيق التفوق الميدانى.
ويشير جهامة إلى أن الدولة المصرية حرصت على تكريم هؤلاء الأبطال فى مراحل مختلفة، عبر منحهم الأوسمة والنياشين، تقديرًا لتضحياتهم. كما تعمل جمعية مجاهدى سيناء على توثيق هذه البطولات ونقلها للأجيال الجديدة، حتى تظل حاضرة فى الوعى الوطنى.
ويختتم بتأكيد موقف أبناء سيناء الداعم للدولة، قائلًا: “نحن نقف دائمًا خلف القيادة السياسية، ونؤمن أن ما تشهده سيناء من تنمية يعكس حرص الدولة على تحقيق الاستقرار ورفع مستوى معيشة المواطنين”.
«الصحة» تعلن استفادة 18 مليون مواطن من مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية
انتهاء مناسك الحج رسميًا اليوم
بتكلفة تخطت ٢ مليار جنيه| «المجمع الحكومى الذكى» نقلة حضارية بالوادى الجديد







