رؤى

الزراعة قاطرة الاقتصاد فى مصر

النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ
النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ


فى ظل ما نشهده من تغيرات وحروب وصراعات، يتحول قطاع الزراعة من مجرد نشاط لإنتاج الغذاء إلى ركيزة أساسية لتنمية المجتمع المحلى، فالعلاقة بين الزراعة وتنمية المجتمع اليوم لم تعد مجرد علاقة تكاملية، بل أصبحت «علاقة وجود» تربط بين البقاء والتقدم، ولم تعد مقولة الفلاح المصرى الشهيرة «الأرض هى العرض» كافية وحدها، بل يُضاف إليها فى عصرنا الحالى أن «الأرض هى العرض والأمان ولغة العصر فى مواجهة التحديات المحلية والعالمية»، ومع تطور التكنولوجيا، بات لزامًا على المجتمع الارتقاء بمهاراته، بما يحول المزارع التقليدى إلى «تقنى زراعى» قادر على مواكبة العصر، ويرفع من القيمة المعرفية والاقتصادية للمجتمع.

وفى مصر، لم تكن الأرض الزراعية يومًا مجرد مورد اقتصادى، بل كانت دائمًا جزءًا من هوية الدولة ومصدرًا لاستقرارها، ومع ما تحقق من جهود تنموية خلال السنوات الأخيرة فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، تبرز فرصة حقيقية لاستعادة الدور الحيوى للقطاع الزراعى، ليس فقط لتعزيز الإنتاج، بل لبناء نموذج تنموى أكثر توازنًا.

إن رفع الإنتاجية الزراعية باستخدام التقنيات الحديثة لم يعد خيارًا، بل أصبح محركًا رئيسيًا للاقتصاد، وقد أدركت الدولة المصرية هذه المعادلة، فعملت على مد شبكات الطرق لربط المزارع بالأسواق، وتطوير نظم الرى لخدمة أغراض تنموية متعددة، إلى جانب توفير الطاقة للمناطق النائية، وقد أسهم هذا الاستثمار فى البنية التحتية فى تطوير منظومة الإنتاج الزراعى، ورفع كفاءة العنصر البشرى داخلها.

وعندما أجلس داخل قريتى الحميلة «بيبان» بمحافظة البحيرة، يزداد يقينى أن القرية المصرية ليست عبئًا، بل فرصة تنموية حقيقية، وعندما تتحول إلى وحدة إنتاج متكاملة، فإنها تخلق فرص عمل، وتحد من الهجرة، وتعيد التوازن للاقتصاد بالكامل، فالصورة الذهنية تغيرت فالزراعة لم تعد «فأسًا» بل أصبحت تكنولوجيا واستثمارًا وسلاسل قيمة، كما لم يعد الحقل مجرد مساحة للزراعة، بل مشروعًا اقتصاديًا قادرًا على تحقيق دخل مستقر وتنمية مستدامة.

نملك الأرض، والسوق، والموارد، والعنصر البشرى، وما نحتاجه هو إدارة حديثة، ورؤية إنتاجية، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، فالزراعة اليوم تمثل «صناعة الأمل» فى زمن مضطرب؛ إما أن نستثمر فيها فنؤسس لاقتصاد قوى، أو نتراجع فنفقد فرصة حقيقية للتنمية.

ولسنوات طويلة، ظل المجتمع المصرى متمركزًا فى وادى النيل، مما خلق ضغطًا سكانيًا كبيرًا، أما اليوم، فتمثل المشروعات الزراعية الكبرى، مثل «الدلتا الجديدة» وغيرها من مشروعات الامتداد الزراعى والعمرانى، نقطة تحول فى إعادة رسم الخريطة الزراعية وتنمية المجتمع، فهذه المشروعات لا تستهدف فقط زيادة الإنتاج، بل تقوم بدور تنموى شامل من خلال إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة، وتوفير فرص عمل، وتخفيف الضغط عن المدن، وتحويل المناطق غير المستغلة إلى نطاقات منتجة وآمنة.

إن الربط بين التنمية الزراعية وتنمية المجتمع المصرى فى العصر الراهن هو ربط بين البقاء والتقدم. ونحن أمام فرصة حقيقية لتحويل التحديات إلى دافع للعودة إلى الأرض برؤية حديثة، تجعل من «الفأس» تكنولوجيا، ومن «الحقل» بيئة إنتاج آمنة ومستقرة.

فالزراعة فى مصر لم تعد مجرد نشاط اقتصادى، بل أصبحت مسارًا استراتيجيًا لصناعة المستقبل.

إن عودة الزراعة إلى موقعها الطبيعى فى قلب الاقتصاد تعنى تنشيط المجتمعات المحلية، فالأرض، حين تُدار برؤية واعية، لا تبقى مجرد مساحة للزراعة، بل تتحول إلى قاعدة للأمان الاقتصادى والاجتماعى، تجمع بين الإنتاج والعمل والاستقرار، ومن هنا، أطالب بخطة ورؤى للبدء فى تعزيز التنمية الزراعية فى مصر ولابد أن تصبح توجهًا استراتيجيًا يعكس وعيًا من الجميع بطبيعة المرحلة، ويؤسس لمستقبل أكثر توازنًا واستدامة لمجتمعنا.