في زاوية منسية من تفاصيل الحياة، وخلف أبواب مغلقة، تولد قصص لا تشبه الحكايات الوردية التي نسمعها في البدايات، هي حكاية امرأة لم تطلب من الدنيا سوى الأمان، فإذا بها تجد نفسها في ساحة معركة، سلاحها الصبر ودرعها حب الأبناء.
لم يعد الصمت خياراً أمام قصص تدفع ثمنها النساء والأطفال من استقرارهم وصحتهم، ومع قرار النائب العام الحاسم بإدراج الممتنعين عن سداد النفقات على قوائم الممنوعين من السفر، بدأ بصيص أمل يلوح في الأفق لردع آباء استحلوا التهرب من مسؤولياتهم وتركوا صغارهم في مهب الريح، هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل وليد واقع مرير ووقائع قاسية تعيشها آلاف الأمهات في أروقة المحاكم.
في "بوابة أخبار اليوم"، نفتح هذا الملف لنعرض سلسلة من الوقائع الإنسانية التي تجسد تلك المعاناة.
ونبدأها بحكاية السيدة (ر.س)؛ تلك الأم التي لم تكن رحلتها مجرد خلاف زوجي عابر، بل كانت معركة بقاء بدأت بزواج في سن الثامنة عشرة، وانتهت بآثار عنف جسدي لا تزال مطبوعة على جسدها، ونفقة هزيلة لا تكفي ثمن دواء، في مواجهة زوج استغل حتى "رؤية الأطفال" لبث السموم في نفوسهم.
تبدأ قصة (ر.س) بملامح شابة في الثامنة عشرة من عمرها، دخلت القفص الذهبي عام 2010، لتكتشف سريعاً أنه ليس سوى زنزانة من العنف الجسدي والاستغلال المادي، سنوات طوال من الضرب، والسحل، والاتهامات في العرض، وانتهت بمواجهة مريرة مع قوانين "النفقة" التي وقفت عاجزة بضعة مئات من الجنيهات أمام متطلبات حياة تزداد قسوة.
بين طفلين تم إخبارهم زوراً بوفاة أمهم، ومرض ينهش جسدها المنهك، تقف (ر.س) اليوم كنموذج صارخ للأم المعيلة التي فقدت كل شيء.. إلا كرامتها وإصرارها على النجاة بصغارها.
بمرارة جلست "ر.س" تعيد ذكرياتها وترويها علينا، وبدأت حديثها "أنجبت طفلين طفل يبلغ حاليًا 18 عامًا ويدرس في الصف الثالث الثانوي، وطفلة ذات الـ14 عامًا، الطالبة في الصف الثاني الإعدادي، حياتي الزوجية، روايتها، لم تعرف الاستقرار يومًا، بداية من التعرض المستمر للضرب والإهانة بألفاظ قاسية، إلى جانب الاستغلال المادي" إذ كان الزوج يستولي على دخلها، بينما كانت تتحمل نفقات المنزل بمساعدة أسرتها.
معاناتها لم تتوقف عند هذا الحد، بل امتدت إلى تدخلات من أهل الزوج، الذين استولوا على ممتلكاتها ومصوغاتها؛ بالإضافة إلى تعاطي الزوج مواد مخدرة وأقراصًا أفقدته الوعي في كثير من الأحيان، ما زاد من حدة العنف الواقع عليها.
وتروي السيدة أنها تعرضت لإصابات جسدية خطيرة، من بينها كسر في أحد الأسنان، وقطع في الركبة، وإصابة مزمنة في الظهر لا تزال تعاني منها حتى الآن.
وتصف إحدى الوقائع بأنها كانت “الأصعب”، حيث تعرضت للضرب لمدة ثلاثة أيام متواصلة، وتم سحلها من شعرها واحتجازها داخل المنزل، حتى مُنعت من دخول دورة المياه.
ورغم تدخل بعض أهالي المنطقة في إحدى وقائع الاعتداء التي حدثت في الشارع، فإنها لم تحرر محضرًا رسميًا، خوفًا من تصاعد النزاعات بين الأسرتين.
واختارت في النهاية الانفصال “وديًا”، إلا أن الأمر لم يخلُ من اتهامات طالت سمعتها، حيث تؤكد أن الزوج وأسرته وجهوا لها اتهامات أخلاقية أمام الجميع، وهو ما دفع المحيطين للتدخل والمطالبة بإنهاء العلاقة، كما أن الزوج استغل نقطة ضعفها، وهي حبها لأطفالها، فقام باصطحابهم، ما اضطرها في البداية للتفكير في العودة، لكنها تراجعت بعد علمها بما قيل عنها.
فلجأت إلى القضاء للحصول على حق حضانة أطفالها، وهو ما تحقق بعد معركة قانونية استمرت ثلاثة أشهر، حُرمت خلالها من رؤيتهم، بل وتم إخبارهم زورًا بوفاتها، وفق روايتها.
وخلال تلك الفترة، تعرض الطفل الأكبر للإهمال الدراسي حتى تم فصله من المدرسة، قبل أن تتمكن والدته لاحقًا من إعادته واستكمال تعليمه؛ وقد حصلت السيدة على حكم الطلاق من أول جلسة، إلا أن معاناتها استمرت مع قضايا النفقة.
قضت المحكمة لها في البداية بنفقة قدرها 250 جنيهًا لطفلين، قبل أن ترتفع إلى 300 جنيه بعد الاستئناف، ثم إلى 500 جنيه لاحقًا، إضافة إلى 150 جنيهًا كأجر مسكن، وهي مبالغ وصفتها بـ”غير الكافية إطلاقًا”؛ وتؤكد أنها لا تحصل بانتظام حتى على هذه المبالغ، إذ يتم تحصيلها من خلال بنك ناصر، مع وجود تقصير في السداد.
استمرت المضايقات من قبل الزوج، الذي رفع دعوى “رؤية”، واستغل اللقاءات لبث أفكار سلبية لدى الأطفال، مستخدمًا ألفاظًا غير لائقة، ما أثر على حالتهم النفسية، ودفعها إلى اللجوء لأطباء متخصصين لعلاج نجلها.
ورغم كل هذه التحديات، أكدت "ر.س" أنها تحملت المسؤولية بمفردها، وعملت في مجال التدريس الحر لتأمين احتياجات أبنائها، رغم عدم استقرار دخلها وتدهور حالتها الصحية، إذ تعاني حاليًا من ورم في الرحم يتسبب في نزيف مستمر، دون قدرتها على تلقي العلاج المناسب بسبب الظروف المادية.
واختتمت السيدة روايتها بالتأكيد على أنها لم تحصل على أي من حقوقها المادية، سواء شقة سكنية أو ممتلكات، بل فقدت كل ما تملك، حتى ملابسها وملابس أطفالها، مشيرة إلى أن تفاصيل معاناتها “أصعب بكثير مما يمكن اختصاره”.
قصة (ر.س) تفتح باب التساؤلات حول آليات حماية النساء من العنف الأسري، وضمان حصولهن على حقوقهن القانونية والإنسانية، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة.
وفي هذا السياق، يكتسب قرار النائب العام بإدراج الممتنعين عن سداد النفقات على قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول أهمية خاصة، باعتباره خطوة قانونية رادعة تهدف إلى ضمان تنفيذ الأحكام القضائية وصون حقوق الزوجات والأبناء.
ويعكس هذا الإجراء توجهًا واضحًا نحو تشديد الرقابة على المتهربين من أداء التزاماتهم، بما يضمن وصول الحقوق لأصحابها، خاصة في حالات مشابهة لقصة (ر.س)، التي عانت من ضعف النفقة وعدم انتظامها، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى تفعيل مثل هذه القرارات لحماية الأسر الأكثر هشاشة وضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي لها.
في باب حكايات على«بوابة أخبار اليوم» سنعرض قصص الأمهات، واحدة تلو الأخرى، قصص عن نساء واجهن الصعاب، ويطالبن بالعدالة من أجل صغارهن، ويبقى الهدف الأسمى: حماية الأسرة المصرية، وضمان مستقبل أكثر استقرارًا للأبناء.


حيّر العالم.. «قرص سابو» يكشف أسرار التكنولوجيا في مصر القديمة
عمره 240 مليون عام.. حكاية «الماستودونصور» أضخم مفترس في التاريخ
حكايات من كيمت | ودائع الأساس.. الرسائل التي أخفاها الملوك تحت المعابد






