لم يكن الحَبر الأعظم في روما يوماً مجرد رجل دين بعيد عن ضجيج السياسة، بل كانت الفاتيكان في أحيان كثيرة ساحة المعركة الأولى حين تتصادم إرادة السماء بمطامح الأرض، فمن أتيلا الهوني الذي أرعب أوروبا كلها، إلى دونالد ترامب الذي يُشعل الأزمات بتغريدة، مر الكرسي الرسولي بمواجهات شكلت مسار التاريخ وأعادت رسم خرائط النفوذ، لتبقى العلاقة بين الفاتيكان وحكام العالم واحدةً من أكثر العلاقات توتراً وإثارةً على مدار ألفي عام.
من أتيلا إلى نابليون
لم يكن أمام البابا ليو الأول (440-461م) جيوش يواجه بها أتيلا الهوني حين اجتاح إيطاليا عام 452م وبدا مصير روما محسوماً، فاختار سلاح الكلمة والتحذير من الغضب الإلهي.
والأعجب في الأمر أن الرجل الذي لم يهزمه سيف قط انسحب من إيطاليا ومات بعدها بأشهر قليلة، تاركاً البابا بانتصار لا يُنسى دونه التاريخ.
بعد ثلاثة عشر قرناً، كررت الكنيسة التجربة مع عدوٍ أشد حنكةً ودهاءً، إذ انه حين اعترض البابا بيوس السادس على استفزازات نابليون بونابرت لدى غزوه إيطاليا وإعلانه الجمهورية الرومانية، اعتُقل البابا الثمانيني وأُودع سجناً فرنسياً حتى مات فيه، إلا ان خلفه بيوس السابع استوعب الدرس جيداً، فبدلاً من المواجهة المكشوفة، انتهج الحكمة الدبلوماسية، وسافر إلى باريس بنفسه ليحضر تتويج نابليون إمبراطوراً، لكنه آثر الصمت حين تجرأ نابليون وتوج نفسه بيده أمام الجميع.
وظلت الأمور هادئة حتى رفض البابا دعم الحصار التجاري على بريطانيا، فكان مصيره السجن هو الآخر.
غير أن بيوس السابع لم يكن عجوزاً كسلفه، فصبر طويلاً حتى جاءت هزيمة نابليون في واترلو عام 1815، وعاد إلى روما في احتفالية كبرى، منتصراً بالصبر حيث عجزت الجيوش.
الفاتيكان والنازية
تبقى علاقة البابا بيوس الثاني عشر بالحرب العالمية الثانية أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ الحديث للكنيسة، إذ وقع قبيل انتخابه معاهدة مع برلين أضفت شرعيةً مبكرةً على نظام هتلر، وألزمت رجال الدين بالصمت أمام اضطهاد اليهود والأقليات.
وحين تصاعدت المحرقة، آثر البابا تجنب الإدانة العلنية الصريحة، مما جلب عليه انتقادات لا تزال تتردد حتى اليوم، لكن المدافعين عنه يرسمون صورةً مغايرة تماماً، إذ يستشهدون بما أنجزه في السر، حيث أودع آلاف اليهود في أديرة روما وكنائسها.. هذه الاستراتيجية الجدلية في الموازنة بين الصمت العلني والعمل الخفي لا تزال راسخةً في الدبلوماسية الفاتيكانية حتى اللحظة.
من الحرب الباردة إلى ترامب
في خضم أزمة الصواريخ الكوبية وشبح الحرب النووية، آمن البابا بولس السادس بأن فتح أبواب الحوار مع الكتلة الشيوعية أجدى بكثير من سياسة العزلة والمقاطعة التي انتهجتها الكنيسة عقوداً طويلة، فأرسل مبعوثيه إلى موسكو وبولندا والمجر ورومانيا، واستقبل قادة الشرق في الفاتيكان، ساعياً إلى انتزاع ضمانات تكفل للمسيحيين خلف الستار الحديدي حرية ممارسة شعائرهم بعيداً عن بطش الأنظمة الشيوعية.
ثم جاء خلفه يوحنا بولس الثاني ليرفع السقف ويمزج الحوار مع الضغط الأخلاقي، مدعماً حركة "تضامن" البولندية في الوقت الذي كان يستقبل فيه جورباتشوف بالفاتيكان، فكانت النتيجة أن الكنيسة أثبتت حضورها حتى في قلب العالم الملحد.
لم يختلف البابا الراحل فرنسيس مع ترامب في الجوهر، لكنه اختار معركته بعناية، فبدلاً من المواجهة المباشرة، انتقد السياسات وتجنّب تسمية أصحابها، فحين سُئل عن خطط ترامب لبناء جدار على الحدود المكسيكية، قال ببساطة إن "من يفكر فقط في بناء الجدران ليس مسيحياً"، دون أن ينطق باسمه.
وحين انسحبت واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ، رفع فرنسيس صوته دفاعاً عن الأرض والبشر، لكنه أبقى قناة الحوار مفتوحة مع البيت الأبيض.
وربما تختصر صورة واحدة هذه العلاقة الملتبسة، وهي ابتسامة ترامب العريضة خلال زيارته للفاتيكان، بينما ينظر البابا أمامه بوجه جامد، يؤدي واجب اللقاء مُكرَهاً، لأن مسؤولية السلام تفرض أحياناً الجلوس مع من لا تختار.
اليوم يواصل ليو الرابع عشر المسيرة بنبرة أكثر حدةً حين أعلن أن الله «لا يسمع صلوات من يشنون الحرب»، ووصف تهديد ترامب بتدمير حضارة بأكملها بأنه «غير مقبول»، فجاء الرد الأمريكي بوصفه «ضعيفاً فاشلاً».

بعد اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. تطورات الوضع «الأمريكي - الإيراني»
الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران







