يوميات الاخبار

القاهرة وكيف رآها جمال حمدان وكتب عنها؟

يوسف القعيد
يوسف القعيد


جمال حمدان لم يكن عالم جغرافيا فقط، ولكنه كان عالماً من علماء الحضارة المصرية. لذلك فهو يربط بين كل عناصر التاريخ والجغرافيا عندما يكتُب عن قضية ما.

موسوعة جمال حمدان «4 فبراير 1928-17 أبريل 1993» عن القاهرة، توشك أن تحتل أهم مكان فى مكتبتي. أعود إليها دائماً وأبداً، وكتاب جمال حمدان عن القاهرة، الذى أعود إليه بشكل متواصل، صدرت طبعته الرابعة عن دار الهلال العريقة والعظيمة سنة 2017.
يقول حمدان إنه عندما يقوم بإحصاء أهم المدن والعواصم العُظمى فى العالم، فإن القاهرة ترد فى العشرة الأوائل منها. فهى المدينة الأولى المطلقة فى قطاع هائل متصل من العالم القديم، قد يجاوز ثُلث مساحتها، ويتعدى آفاق القاهرة الإفريقية إلى تخوم الدنيا الجديدة. بل إن بضعة لا يستهان بها من الدول الإفريقية لا تقل سكاناً عن حجم القاهرة. وذلك دون أن نذكر أن القاهرة تستأثر وحدها بنحو نصف سكان العواصم الإفريقية الخمسين.
ولو تم حصر العواصم المخضرمة العريقة بالدنيا، فلعل القاهرة أم الدنيا. وعلى أية حال، فقليل عدد المدن التى يمكن أن تنافسها فى هذه الصدارة. وحتى نتمثل البُعد الزمانى السحيق بشيء من التجسيد الذهني، يكفى القول إنه قد يُعادل مجموعة تاريخ حِفنة ليست بالقليلة من عواصم العالم الجديد مُجتمعة.
أما إذا اعتبرنا الوزن الحضارى والنفوذ السياسى والواقع القومى والفكري، فما من عاصمة فيها فيما نظن لها فى دولتها ما للقاهرة من ثِقل ومركزية طاغية وسيطرة أو توجيه. بل وإلى حد الإفراط ربما. وقد يختلف علماء المدن حول السؤال القديم: هل العواصم هى أكبر، وخير ما يمثل ويُجسِّد روح بلدها وكيانه؟ ولكن ها هى القاهرة باعتبارها بوتقة تنصهر فيها عناصره وأقاليمه. إنها عاصمة تستقطر وتستقطب روح الوطن، وترمز إلى جوهر كيانه حضارياً ومادياً، جغرافياً وتاريخياً، وربما كما لا تفعل عاصمة أخرى.
إن موسوعة جمال حمدان عن القاهرة، تُقدِّم تاريخاً مُفعماً، كل حجرٍ فيها مُشبَّع بعبق الماضى وعرقه. وكل شبرٍ منها يحمل بصمات الإنسان. إنها كبيت جماعى كبير، وكمنطقة مبنية لا مثيل لكتلتها فى مصر عمل فنى من مقياسٍ ضخم، مهندسه وساكنه هو المصري. وهى بهذا أكثر وأكثف رُقعة حضارية تحمل الطابع البشري، وتُقدِّم حكايات الوطن منذ قديم الزمان، وحتى الآن.
ويعترف جمال حمدان مبكراً بأن القاهرة، رغم الزخم التاريخى غير العادي، فهى أقل العواصم حظاً فى دراسات المدن العلمية الحديثة. رغم كثرة ما كُتِبَ عن هذه المدينة الخالدة. ولكن الغالب عليها، إما التاريخ عموماً أو تاريخ العُمران أو الآثار خصوصاً، وإذا أضفنا إليها بعض كتابات هواة المُدن من الرحّالة أو الأدباء أو الصحفيين، لاسيما منهم الأجانب.
التاريخ كله
من يتجول فى القاهرة، وينتقل من حيٍ إلى حي، لابد أن يكتشف أنه ينتقل من زمنٍ إلى زمن. ومن عصرٍ إلى عصر. فهى علاوة على أنها تحتل موقعاً فريداً فى مصر فى لحظة التقاء الدلتا بالصعيد، فإنها تُمثِّل الرابطة التى تربط الوطن كله منذ فجر التاريخ، وحتى الآن.
ويتوقف حمدان أمام الأسماء التى أُطلِقت عليها عبر التاريخ. فهى التى سُمِّيت الفسطاط، وكانت تمثل نقطة انتقال هامة فى التوجيه الطبيعى والسياسي، انتقال من الضفة الغربية للشرقية. والفسطاط كانت أكثر اتفاقاً مع توجه الفتح العربى الجديد، أو الذى كان جديداً. إن موقع فسطاط اليوم نهاية مُجَمَّع القاهرة المدنى جنوباً، وتحتضن نهر النيل مرةً من هذه الناحية، وأخرى من ناحية ثانية.
ويتغزل جمال حمدان فى موقع القاهرة، فالضفة الشرقية محمية من ثلاث جهات بالنهر والثلج، وهى مفتوحة من الشمال فقط. ثم إن وجود التلال الشرقية يوفر للمدينة مادة بناء ثمينة من الحجر. مثلما يوفر لها النهر خامة الطوب، وارتفاع القطاع الشرقى يعوِّض عن البُعد عن النهر بجفاف الهواء الصحى وحركته النشيطة. وأخيراً فإن كثرة الجزر كثرة غير عادية فى النهر توفر قواعد هامة لعبور النهر من المدينة وإليها.
روح الوطن
إن جمال حمدان لم يكن عالم جغرافيا فقط، ولكنه كان عالماً من علماء الحضارة المصرية. لذلك فهو يربط بين كل عناصر التاريخ والجغرافيا عندما يكتُب عن قضية ما. ورغم أنه عاش فى جزءٍ من القاهرة يقع الآن فى منطقة الجيزة، إلا أن القاهرة كانت عصب وجدانه وإحساسه تجاه الدنيا كلها. وإن استمع إلى من يتكلم عن عواصم العالم الأخرى، فهو يعتبر أن القاهرة تسبق كل هذه العواصم.
يقول جمال حمدان إن عدد سكان مصر سنة 1990، كان 50 مليون نسمة كحد أدنى، و54 مليوناً كحد أقصى - هكذا كان يكتب جمال حمدان كعالمٍ كبير يرى الأمور ابتداءً من حدها الأدنى وصولاً إلى ما يمكن أن يكون حدها الأقصى، ويؤكد أن نسبة سكان العاصمة لسكان الدولة هى 26% أى ربع مصر كحد أدنى، أو 30% من حجم المصريين كحدٍ أقصى.
من المؤكد أن من عرفوا جمال حمدان عن قُرب، وكاتب هذه الكلمات واحدٌ منهم، يُدرك أنه يعيش الحياة كباحث فى الجغرافيا السياسية فى كل لحظةٍ تمر عليه. ولذلك فإن كتابه عن القاهرة مُثقل بالخرائط والرسومات، وكأن الرجل كان يعيش الحياة وهو يتأملها ويدرسها لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة.
الوزن الأكبر
يؤكد صاحب هذه الموسوعة الجميلة أن القاهرة الكُبرى التى تضم أكثر من خُمس السكان، وربما نصف الثروة والقوة، قد تعدت دور النافورة الحضارية إلى دور البالوعة. ولو قارنا هاتين النسبتين لريف الدلتا والصعيد لجاز لنا أن نزعُم أن الدِلتا والصعيد بالنسبة للقاهرة ليستا أكثر من حديقة أمامية وحديقة خلفية للعاصمة.
إن الرجُل كان صاحب تعبيرات جميلة جغرافية، وكان مؤسساً كبيراً للجغرافيا السياسية فى تاريخ مصر الحديث. وكان من حُسن حظى أن عرفته عن قُرب، وزرته فى بيته أكثر من مرة، وتكلمت معه فى الكثير من قضايا عالمنا المعاصر، وليس الجغرافيا السياسية فقط.
وجمال حمدان لا يكتُب عن القاهرة وحدها، ولكنه أيضاً يهتم بالإسكندرية باعتبارها المدينة الثانية بعد القاهرة فى بر مصر، ويتناولها ويفرد لها الكثير من الكتابات، ويؤكد أنها على الرغم من أنها كانت تتراجع بانتظام فى حجمها وثِقلها النسبى إزاء القاهرة منذ أواخر القرن الماضي، إلا أن ذلك كان يتم ببطء بدرجة طفيفة. وكانت مقاومة الإسكندرية للقاهرة صلبة وعنيدة، ولم تكن سهلة أبداً.
المدينة الثالثة
ويكتُب جمال حمدان عن طنطا باعتبارها ثالثة كُبرى مدننا، ولكنها بكل تاريخها الألفى العتيق، وشهرتها الدينية الفائقة، لم تصمُد أمام بور سعيد ابنة القناة الفتيَّة التى كانت تزحف وترقى بسرعة واقتدار، على أن بور سعيد وجدت فى الإسكندرية، فضلاً عن القاهرة، عقبة كأداء لتوقفها عند حدودها.
إن جمال حمدان ليس عالم جغرافيا فقط، ولكنه كاتب صاحب أسلوب، وكان يُعجب عندما يكتشف أنه ينحت تعبيرات أدبية جميلة لا تمُت للجغرافيا السياسية بصلة. إن مكانه ما زال خالياً ربما حتى الآن.
ويلفت نظره كعالم جغرافيا حجم الملاعب الموجودة فى القاهرة، ويتوقف أمام دلالتها، ويقول إن عضوية هذه الأندية كانت مقصورة على دائرة المستعمر، وملَّكَها لها من المستوطنين والمتمصرين. لا يدخلها إلا هؤلاء، ومن كانوا يدخلون من المصريين هم استثناء خاص ونادر.